أخبار

أزمة مياه الشرب في درعا: مصادر متراجعة وبنية متضررة وخيارات محدودة للسكان

تجمع أحرار حوران – باسل الغزاوي

تزداد أزمة مياه الشرب في محافظة درعا تعقيدًا مع استمرار تراجع المصادر المائية الطبيعية، وتضرر البنية التحتية، وتوسع ظاهرة حفر الآبار العشوائية. ويأتي ذلك في وقت يشتكي فيه السكان من ضعف الضخ وارتفاع كلفة تأمين المياه بوسائل بديلة.

ويعكس هذا الواقع فجوة متزايدة بين الاحتياج الفعلي للمياه والإمكانات المتاحة لتأمينها.

مصادر محدودة وضغط متصاعد

تعتمد المحافظة على مصدرين رئيسيين لمياه الشرب: الينابيع السطحية والآبار الجوفية. لكن عدد من الينابيع التي كانت تشكل رافداً أساسي خرجت من الخدمة بعد جفافها، مثل بحيرة المزيريب ونبع عين العبد بريف درعا الغربي بخسارة تقديرية في الغزارة تصل إلى نحو 4540 متر مكعب، وفقًا لمصدر في مؤسسة المياه.

بحيرة المزيريب غرب درعا قبل الجفاف 2017 تصوير: عقبة محمد
صورة جوية تظهر جفاف بحيرة المزيريب 5/7/2025

في المقابل، ارتفع عدد الآبار التابعة لمؤسسة المياه من 355 بئر عام 2011 إلى 505 آبار عام 2025، مع زيادة في الغزارة الإجمالية من 8858 م³ إلى 9822 م³. إلا أن هذه الزيادة العددية لا تعكس تحسن فعلي في الإمداد، إذ يوجد 111 بئر خارج الخدمة، إضافة إلى حاجة 20 محطة ضخ لإعادة تأهيل.

وبحسب محمد سعيد الزعبي وهو أحد المزارعين في مدينة طفس غربي درعا، إن بعض الآبار التي كانت تضخ المياه سابقاً جفت بسبب الحفر المفرط. وقال الزعبي في مقابلة مع تجمّع أحرار حوران أن “الاعتماد على الآبار بات مشكلة بحد ذاته في ظل انخفاض منسوب المياه”.

ومن جهته قال المهندس رياض المسالمة لتجمّع أحرار حوران أن واقع المياه في درعا شهد تراجع خلال السنوات الماضية نتيجة الجفاف المتتالي والانتشار الكبير لحفر الآبار العشوائية. وأشار إلى أن السلطات صادرت آليات حفر آبار (حفّارات) مخالفة كما تم اغلاق عددًا من الآبار الغير مرخّصة.

مؤسسة مياه درعا أثناء حفرها بئر مياه جديد في بلدة معربة شرقي درعا لرفد الشبكة الرئيسية بمياه الشرب

حصة الفرد: أرقام تعكس الشح

حصل تجمع أحرار حوران على بيانات رسمية تُظهر تفاوتًا حادًا في توزيع المياه بين السكان، حيث يحصل نحو 60% من السكان يوميًا على كميات تتراوح بين 0 و25 لترًا فقط، فيما يحصل 25% منهم على ما بين 25 و50 لترًا يوميًا، بينما لا تتجاوز حصة 15% من السكان 60 لترًا في اليوم.

وبمقارنة هذه الأرقام مع مستويات الاستهلاك قبل عام 2011، والتي كانت تتراوح بين 100 و125 لترًا يوميًا للفرد، يتضح أن الغالبية العظمى من السكان باتت تعيش دون الحد الأدنى اللازم لتلبية الاحتياجات المنزلية الأساسية.

يترجم هذا الشح يومياً في حياة السكان. قال المواطن شادي العمري من درعا البلد، في حديثه لـ تجمع أحرار حوران، إن المياه عبر الشبكة قد تأتي مرة واحدة أسبوعياً ولمدة ساعة أو ساعتين فقط، ولا تكفي الاحتياجات. وأضاف أن انقطاع الكهرباء يزيد العبء، إذ يتطلب ضخ المياه تشغيل مضخات تعمل على الوقود، فتصبح الكلفة قريبة من كلفة شراء المياه بالصهاريج.

يتجه الكثير من الناس لشراء المياه بالصهاريج لعدم كفايتهم من مياه الشبكة

صهاريج بدل الشبكة

بالنسبة لكثير من الأسر، أصبحت الصهاريج مصدر رئيسي في ظل عدم وجود كهرباء كافية لضخ مياه الشبكة إلى الخزّانات.

وأوضح العمري أن أسرته المؤلفة من سبعة أشخاص تحتاج إلى نحو 4 متر أسبوعياً، يتم شراؤها عبر صهريج بسعر يقارب 250 ألف ليرة سورية، مشيراً إلى أن “الوعود الحكومية موجودة، لكن واقع المياه لم يتغير”.

من جهتها، تؤكد مؤسسة المياه أنها، رغم محدودية الإمكانات، تعمل على إصلاح الشبكات وتنفيذ مشاريع حفر وتأهيل آبار جديدة، إضافة إلى تسيير صهاريج لبعض المناطق ضمن المخططات التنظيمية، بحسب ما ذكره المسالمة.

صورة تظهر ازدحام الصهاريج على الآبار الخاصة نتيجة شح المياه

الزراعة بين الضرورة والاستنزاف

يمثل القطاع الزراعي بعدًا آخرًا للأزمة حيث يوضح محمد الزعبي أن المزارعين في المناطق التي تفتقر لشبكات ري يعتمدون بشكل شبه كامل على الآبار الجوفية، لكنه يشير إلى تجربة استخدام شبكة الري محدودة الأيام بعد جفاف بئر كان يعتمد عليه. ومن وجهة نظر الزعبي فإن تقليل الاعتماد على الآبار ممكن في حال توفر الري بشكل دائم، محذراً من أن الحفر العشوائي غير المنضبط يهدد حتى الآبار المرخصة.

ولفت إلى أن التحول نحو محاصيل أقل استهلاك للمياه، مثل الزيتون، قد يخفف الضغط، بخلاف محاصيل تحتاج وفرة مائية أكبر مثل الرمّان.

تحديات تشغيلية تضاعف الأزمة

إلى جانب تراجع المصادر، تواجه مؤسسة المياه في درعا صعوبات تشغيلية، أبرزها الانقطاع المتكرر للكهرباء، وعدم توفر الوقود الكافي، مع احتياج شهري يقدر بـ 82,500 لتر مازوت. وكذلك انخفض عدد العاملين من 1650 موظف قبل 2011 إلى 615 فقط، ما يحد من القدرة على الصيانة والاستجابة السريعة للأعطال.

بين تراجع الينابيع، واستنزاف المياه الجوفية، وضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الحلول البديلة، تتشكل في درعا أزمة مياه متعددة الأبعاد، تمس الحياة اليومية للسكان والقطاع الزراعي على حد سواء. وبين جهود رسمية توصف بالمحدودة، ومعاناة معيشية متصاعدة، يبقى تأمين مياه الشرب أحد أبرز التحديات الخدمية في المحافظة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى