اغتيالات متجددة في الصنمين.. هل انتهت العملية الأمنية؟

تجمع أحرار حوران _ شريف عبد الرحمن
لم تكد قوى الأمن الداخلي تعلن تخفيف استنفارها وتخفيض انتشارها في مدينة الصنمين شمالي درعا، حتى عادت عمليات الاغتيال لتتصدر المشهد مجدداً.
عمليتا اغتيال خلال 48 ساعة فقط، كانتا كفيلتين بإثبات أن ملف الصنمين يُعد من أعقد الملفات الأمنية في المحافظة، وأن إعلان “تفكيك” المجموعات المسلحة الخارجة عن القانون فيها لا يعكس الواقع على الأرض بشكل كامل.
وشهدت المدينة بعد منتصف الليلة الماضية مقتل الشاب “محمد أحمد الذياب” متأثراً بجراحه إثر استهدافه بإطلاق نار مباشر من قبل مجهولين.
أعادت الحادثة للأذهان مقتل شقيقه “فهد” الذي لقي المصير ذاته برصاص مجهولين مطلع كانون الثاني/يناير 2025، عقب عودته من الشمال السوري بعد التحرير وسقوط نظام الأسد.
وقبل ذلك بأقل من يومين، وتحديداً ليل الأحد، قُتل “فوزي الشريف” بظروف مشابهة، وجاء اغتياله بعد ساعات قليلة من إزالة نقطة أمنية كانت تتمركز بجانب منزله، ضمن خطة تخفيف الانتشار الأمني، وفق مراسل “تجمع أحرار حوران”.
وتُرجّح المعطيات التي أوردها مراسلنا أن عملية التصفية تحمل طابعاً انتقامياً، على خلفية اتهام الشريف بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والإرشاد إلى أماكن تواجد المطلوبين بشكل علني خلال العملية الأمنية الأخيرة قبل أيام.
الرواية الرسمية
وكانت شرارة هذه العملية الأمنية قد اندلعت عقب ارتقاء ثلاثة من عناصر الأمن الداخلي في 17 أيلول/سبتمبر الجاري، إثر وقوعهم في كمين أثناء تنفيذهم لعملية دهم في الحي الغربي.
وفي بيان رسمي نقلته وكالة “سانا” إبان العملية، أكدت قوى الأمن الداخلي أن حملتها تستهدف مجموعة مسلحة خارجة عن القانون تتبع لتنظيم داعش الإرهابي.
وأضاف البيان أنه بعد إحكام الحصار عليها ومنح أفرادها مهلة لتسليم أنفسهم، وعدم استجابتهم، بدأت قوى الأمن بمداهمة واقتحام الموقع الذي تتحصن فيه المجموعة.
انسحاب جزئي وتطمينات مشروطة
ورغم هذا التصعيد والاقتحام، اتخذت القوى الأمنية يوم الجمعة الفائت خطوة مفاجئة تمثلت بتخفيض عدد عناصرها في الحي الغربي للمدينة، والإبقاء على نقاط تفتيش عند المداخل الرئيسية فقط.
وتزامن هذا الانسحاب الجزئي مع تطمينات نقلها خطباء المساجد عن قيادات أمنية، تتضمن وعوداً بتسوية أوضاع المطلوبين، والعفو عن الحق العام، مع التعهد بحسن معاملة العشرات من الموقوفين الذين تم توقيفهم مؤخراً على خلفية التوتر الأخير.
لكن مراسل تجمع أحرار حوران أوضح أن هذه التطمينات لا تشمل من سفك الدماء، وفي سجله انتهاكات ومشاركات في عمليات اغتيال وزعزعة أمنية في المدينة.
رؤوس الهرم خارج القبضة الأمنية
ورغم أن العملية الأمنية الواسعة أسفرت عن توقيف العشرات من المشتبه بهم، من أبرزهم “أبو صلاح الهيمد”، و”عبد السلام قطيش”، و”وليد سعد الدين الفلاح”، إلا أن الخلية الأساسية لم تتفكك فعلياً.
ففي حين صرح قائد الأمن الداخلي بدرعا، العميد حسام الطحان، بأن المتابعة أثبتت تزعم “محسن الهيمد” وأحمد العثمان الملقب بـ “الكشكي” للخلية، وتم ضبط أسلحة ومتفجرات في منازلهم، يؤكد ناشطون وأبناء المدينة أن متزعمي المجموعة الفعليين، وهما “محسن الهيمد” و”هشام العثمان” شقيق أحمد، ما زالا فارين.
إن تعذر وصول قوى الأمن إلى قادة المجموعة يعني أن هيكليتها لا تزال قائمة وقادرة على زعزعة استقرار المدينة وتوجيه ضربات سريعة بمجرد تراجع الضغط الأمني.
تاريخ من العمليات غير المكتملة
لا تُعد هذه المواجهة الأولى من نوعها؛ ففي شهر آذار/مارس من عام 2025، شنت الأجهزة الأمنية والعسكرية حملة مشابهة ضد المجموعة ذاتها، انتهت بعدم حسم الأمر بعد فقدان 8 عناصر من قوى الأمن والدفاع وإصابة آخرين.
وحينها، تم تبريد الجبهة بتدخل من وجهاء العشائر، لتعود المدينة سريعاً إلى دوامة الفلتان الأمني.
وتُدلل الأرقام التوثيقية لدى تجمع أحرار حوران على حجم الكارثة الأمنية في الصنمين؛ فخلال النصف الأول من عام 2025 وحده، سُجلت 80 محاولة اغتيال في المحافظة، كان نصيب الصنمين منها 17 عملية أسفرت جميعها عن مقتل 17 شخصاً، وُجهت في معظمها أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى عناصر مجموعة “محسن الهيمد”.
مع تجدد عمليات الاغتيال، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة الأجهزة الأمنية على فرض سيطرة حقيقية ومستدامة في الصنمين، أم أن المنطقة ستنزلق مجدداً نحو الفلتان المعتاد؟ فالوقائع الميدانية تشير بوضوح إلى أن توقيف بعض المشتبه بهم والمطلوبين لا يكفي لاجتثاث الفوضى، طالما أن قادة المجموعات قادرون على التواري، وإعادة ترتيب صفوفهم وتنفيذ الاغتيالات، وإثبات أن الصنمين لا تزال عصية على الحسم النهائي.




