
تجمع أحرار حوران – خاص
“مسيلين الدم من معربة لخربة غزالة لإسطنبول” بهذه العبارة التي وثّقها مقطع فيديو حصل تجمع أحرار حوران على نسخة منه، تفاخر المدعو أحمد الغنيم الملقب بـ(أبو أسد) واخوته خلال أحد الأعراس عام 2022، معلناً بشكل صريح مسؤوليته عن سلسلة عمليات قتل واعتقال وتهديد، قال إنها جاءت “ثأراً” لوالده واثنين من أقاربه.
يظهر الغنيم في الفيديو وهو محزم ومجندل بالسلاح والذخيرة، محاطاً بعدد من أقاربه المسلحين وآخرين مدنيين، في مشهد علني لإطلاق النار، جرى في وقت كانت فيه محافظة درعا خاضعة لسيطرة نظام الأسد، وهو ما لا يمكن حدوثه إلا من قبل أشخاص محسوبين بشكل مباشر على النظام٫ يتمتعون بحمايته الأمنية أو يتبعون له بشكل مباشر.
مقطع مصوّر يظهر فيه أحمد الغنيم وهو يتفاخر بأخذ “الثأر” مستخدمًا عبارة «مسيلين الدم من معربة لخربة غزالة لإسطنبول» خلال أحد الأعراس عام 2022، وسط حملٍ علني للسلاح. ويؤكد تجمع أحرار حوران امتلاكه مواد مصوّرة أخرى مماثلة.
خلال تلك الفترة، اتهم أحمد الغنيم عشرات الأشخاص من أبناء درعا، معظمهم من مقاتلي وقادة الجيش الحر وقضاة محكمة دار العدل، بالمشاركة في قتل والده، أرسل تهديدات علنية طالتهم وطالت أقاربهم، قبل أن تُنفذ لاحقاً عمليات اغتيال واعتقال واختطاف بحق عدد منهم.
تحريك قضايا جديدة بعد سقوط النظام
خلال شهر كانون الثاني/يناير 2026، وردت دعاوى تبليغ رسمية إلى مخفر خربة غزالة للأمن الداخلي، إضافة إلى عدد من الأشخاص في بلدة معربة، تضمنت أسماء الأشخاص أنفسهم الذين كان أحمد الغنيم قد اتهمهم سابقًا بالضلوع في مقتل والده، فضلًا عن أقاربهم أو أشخاص على صلة بهم، بمن فيهم من قُتل سابقًا بعمليات اغتيال أو اختطاف أو اعتقال.
في بلدة معربة، شملت التبليغات عدة أشخاص، من بينهم مقاتلون وقادة سابقون في الجيش الحر، إضافة إلى أبناء قضاة كانوا قد قُتلوا سابقًا بعمليات اغتيال نُسبت إلى أحمد الغنيم أو مجموعات كان يمولها أو يحركها في المنطقة خلال فترة سيطرة نظام الأسد.
أما في خربة غزالة، فقد جرى تحريك القضية بحق كل من عطية الحاج علي ومحمد باسل أبو زايد، على الرغم من أنهما قُتلا سابقًا، ما أثار تساؤلات واسعة حول الجهة التي تقف خلف إعادة فتح هذه الملفات، وطبيعة الأهداف الحقيقية من ذلك.
في المقابل، أطلق ذوو الأشخاص الذين اغتالهم أحمد الغنيم، أو هددهم سابقًا، أو قتل أقاربهم، حملة واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تضمنت منشورات وشهادات أعادت التذكير بجرائم الغنيم ومجموعته.
وبحسب إفادات عدد منهم، فقد تقدموا بشكاوى رسمية بحق أحمد الغنيم ومقربين منه، متهمين إياهم بتنفيذ عمليات اغتيال مباشرة وتقديم الدعم اللوجستي والأمني لها.
إلا أن هذه الشكاوى لم يُتخذ بشأنها أي إجراء فعلي، بذريعة “عدم كفاية الأدلة”، رغم وجود تسجيلات ومحادثات موثقة وشهادات مباشرة، في وقت تحركت فيه شكاوى مقدمة من ذوي أشخاص محسوبين على النظام السابق بسرعة لافتة ضد خصومهم من الثوار.
هذا التناقض كان السبب الرئيس في إثارة القضية إعلاميًا، لا سيما أن التبليغات الأخيرة وصلت بعد سنوات من وقوع الجرائم، وفي توقيت أثار استياءً واسعًا لدى ذوي الضحايا، الذين دفعوا ثمنًا باهظًا لبطش أحمد الغنيم خلال سنوات سيطرة نظام الأسد، حين كان يهددهم بهويته الصريحة دون خشية من محاسبة.
وردّ أحمد الغنيم، المتواجد حاليا في الإمارات، على الحملة التي تستهدفه وعائلته عبر فيديو مصوّر نشره على صفحته في فيسبوك، نفى فيه الاتهامات الموجّهة إليه بشأن تبعيته لنظام الأسد، مؤكداً أنه عاد إلى درعا مع انطلاق الثورة السورية وشارك في المظاهرات. واعتبر أن مقتل والده ومن معه من وجهاء حوران جاء – بحسب روايته – على خلفية محاولة فرض إتاوة مالية، مشيراً إلى أن رفضه دفعها كان سبب استهدافهم.
كما نفى الغنيم صحة الاتهامات التي تتحدث عن تشكيله مجموعات تعمل لصالح النظام، معتبراً أنها ادعاءات باطلة، واستند في ذلك إلى عدم تعرّض أي من أبناء بلدته للأذى على يد تلك المجموعات خلال تلك الفترة. في المقابل، لم يتطرق في حديثه إلى اعترافاته السابقة الواضحة بتنفيذ عمليات قتل في تسجيلات مصوّرة متعددة، مكتفياً بالقول إنه كان قادراً على الوصول إلى باقي المتورطين، لكنه فضّل متابعة القضية عبر القضاء وعدم التصعيد مع استلام الإدارة الجديدة للدولة.
اختطاف عطية واستدراج شقيقه.. إلى صيدنايا
تحدث تجمع أحرار حوران مع عبد الرحمن الحاج علي، شقيق عطية والابن الوحيد المتبقي من بين أشقائه، حيث أفاد أنه بتاريخ 9 تشرين الأول/أكتوبر 2018 جرى استدراج عطية الحاج علي، وهو عنصر سابق في جيش اليرموك، بواسطة المدعو سامر رضوان الدلعب، صاحب المنزل الذي كانت تقيم فيه عائلة عطية في الغارية الشرقية.
وبحسب الرواية، اعترضت طريقهما سيارة تقل مسلحين ملثمين، قاموا باختطافهما معًا، قبل أن يُطلق سراح سامر لاحقًا بعد التحقق من هويته، وفق ما نقله بنفسه لذوي عطية حينها.
لاحقًا، تعرّضت عائلة عطية للابتزاز، حيث طُلب منها مبلغ وصل إلى 100 ألف دولار، قبل أن ينقطع أي تواصل مع الخاطفين.
وأثناء بحثه المستمر عن شقيقه الآخر، جرى استدراج عمر الحاج علي، القيادي السابق في جيش اليرموك، عبر مدير ناحية خربة غزالة آنذاك ماهر الوزة، بحجة تزويده بمعلومات عن مصير عطية.
وفي 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2018، جرى اعتقال عمر فور وصوله إلى الناحية، سبقه مداهمة واعتقال كل من:
محمد باسل أبو زايد، خضر الحاج علي، رسلان الحاج علي، وذلك خلال الفترة ما بين 26 و28 تشرين الأول/أكتوبر 2018.
وبحسب شهادة خضر الحاج علي، الذي أُفرج عنه لاحقًا بعد دفع مبالغ مالية كبيرة، فقد جرى نقل المعتقلين من سجن إزرع إلى فرع الجنائية في درعا، ثم إلى سجن صيدنايا، حيث فُقد أثر كل من عمر الحاج علي ومحمد باسل أبو زايد لاحقًا.
شهادات ووقائع موثقة
في هذا السياق، أفاد عبد الرحمن الحاج علي، أحد مقدمي الشكاوى، بمعلومة خاصة تفيد بتعرضه لمحاولتي اختطاف ومحاولة اغتيال بعد فترة قصيرة من اعتقال شقيقه عمر، تلا ذلك تلقيه تهديدات مباشرة بسبب استمراره في متابعة قضية أشقائه.
ويُعد عبد الرحمن من أوائل من بادروا بتقديم شكوى رسمية بعد سقوط نظام الأسد وتولي الإدارة الجديدة، حيث تقدم في نيسان/أبريل 2025 بشكوى ضد كل من:
أحمد توفيق الغنيم، ماهر الوزة (مدير ناحية خربة غزالة سابقًا)، العقيد عدنان الأسدي (المخابرات الجوية، المسؤول عن منطقة خربة غزالة والغرايا خلال فترة اختطاف عطية واعتقال عمر)، منذر الغنيم، المحامي محمد العدوي، موفق الغنيم (أبو عمر)، محمد عماد غنيم، ومروان الغنيم وهو صاحب الدعوى التي صدرت خلال فترة سيطرة نظام الأسد بحق عطية ومحمد باسل وآخرين من خربة غزالة بتهم مختلفة.
كما جرت مواجهة كل من منذر الغنيم، موفق غنيم (أبو عمر)، مروان الغنيم، وسامر رضوان الدلعب في فرع الأمن الجنائي مع عبد الرحمن، إلا أنهم أنكروا معرفتهم بتفاصيل القضية أو صلتهم بها.
اللافت أن سامر الدلعب، الذي استدرج عطية من منزله، أنكر وجوده في سوريا خلال تلك الفترة أمام الأمن الجنائي، رغم وجود شهود، أبرزهم أبو عطية، الذي كان متواجداً في المنزل عندما قدم سامر وطلب من عطية مرافقته لشراء السجائر.
وبحسب عبد الرحمن، تبيّن لاحقًا وجود صلة قرابة بين الدلعب وأحمد الغنيم، ومع ذلك جرى الإفراج عن جميع من جرت مواجهتهم، بذريعة “عدم كفاية الأدلة”.
في عام 2019، تلقى عبد الرحمن الحاج علي، الشقيق الوحيد المتبقي، رسالة من حساب يعود لأحمد الغنيم على فيسبوك، جاء فيها حرفيًا: “عمر ومحمد باسل ودعوا الملاعب… وبإمكانكم تروحو تستلمو أغراضهم من سجن صيدنايا”.
صور لمحادثتين زودنا بهما عبدالرحمن تظهر في الأولى محادثة احمد الغنيم معه لإخباره بمقتل شقيقه عمر والشاب المعتقل محمد باسل في سجن صيدنايا والأخرى يتم تهديده فيها من حساب جرى حذفه سريعا ويعود تاريخ المحادثتين الأولى لمنتصف عام 2019 والثانية لعام 2022

وبعد أن تأكدت العائلة من مقتل عطية، لا يزال مكان دفن جثمانه مجهولًا حتى اليوم وهو ما تأمل عائلة الحاج علي معرفته وتحقيق العدالة وفق حديث عبدالرحمن.
التعذيب والضلوع المباشر
أفاد خضر الحاج علي، في تصريح خاص لتجمع أحرار حوران، أنه التقى بكل من عمر الحاج علي ومحمد باسل أبو زايد في سجن إزرع، حيث أبلغه أبو زايد بتعرضه لتعذيب ممنهج في مخفر خربة غزالة، من قبل أحد الأشخاص من عائلة الغنيم.
وفي التفاصيل اقتحم أحد أبناء توفيق الغنيم (أبو مطيع) لمكان احتجاز محمد باسل وضربه ، قبل أن يتدخّل مدير الناحية لإخراجه، رغم أنه هو من سمح له بالدخول أساسًا. ( علما ان مكان الاحتجاز كان عبارة عن منزل كان يُعتبر مخفر خربة غزالة بداية رجوع الأهالي الى بلدتهم) قبل تجهيز ناحية خربة غزالة بشكل رسمي
وفي شهادة أخرى، قال خضر إن أحد عناصر المخفر أخبر عمر الحاج علي أثناء تعذيبه بأنه “عذّب شقيقه عطية بالطريقة ذاتها، وأنه يشبهه”، في عبارة اعتبرها دليلاً إضافيًا على تورط مشترك ومنهجي في القضية.
شهادة عائلة القاضي نديم القويدر
وفي سياق متصل، نشر نور الدين القويدر، نجل القاضي السابق في محكمة دار العدل نديم عبد الكريم القويدر المقداد، منشوراً على صفحته على فسبوك حمّل فيه أحمد الغنيم مسؤولية اغتيال والده، بعد تهديدات متكررة وصلت للعائلة، واتهامات مباشرة بأن صلاح ابن الشيخ نديم شارك في قتل والد أحمد الغنيم لكنه هاجر نحو الشمال السوري ضمن قوافل التهجير عام 2018.

وأكد البيان أن الشيخ نديم، المعروف بـأبو صلاح، كان إماماً وخطيباً لمسجد معربة الكبير، ومدرساً للقرآن الكريم، وشارك في تأسيس التنسيقيات الثورية، ثم عمل قاضياً في محكمة دار العدل حتى عام 2018.
وبعد سيطرة نظام الأسد على المحافظة نهاية تموز 2018، تلقى تهديدات متواصلة من شخص يصف نفسه بـ“مسيل الدماء”، قبل أن يُغتال بتاريخ 13 آب/أغسطس 2020 على الطريق بين معربة وغصم، مع وجود إثباتات ومحادثات موثقة، بعضها تواصل فيها أحمد الغنيم مباشرة مع صلاح مهدداً ومعترفاً بالفعل.
وأوضح نور الدين لتجمع أحرار حوران أن محاولات الاغتيال طالته شخصيا أيضاً حتى اضطر لمغادرة بلدة معربة والسفر خارج البلاد لاسيما أن أخيه صلاح اكتشف عملية اغتيال خططها احمد الغنيم ضده في تركيا عن طريق استئجار شخص كردي بمبلغ طائل لكنه رفض التنفيذ وأخبر صلاح بذلك.
تتشابه حادثة اغتيال القاضي في محكمة دار العدل الشيخ نديم القويدر مع حادثة اغتيال أخرى طالت الشيخ والمحامي يوسف تركي الدواس (أبو رامي)، الذي ينحدر من بلدة معربة أيضًا حيث سبقت العمليتين تهديدات مباشرة ومعلنة قبل تنفيذ الاغتيال بفترة.
وفي كل الحالات، استخدمت الجهة المهدِّدة العبارات ذاتها مثل “ودّع المونديال” و“ودّع الملاعب” في وصف الضحايا قبل اغتيالهم، وذلك وفق صور محادثات واتساب موثّقة للحادثتين، ما يعزز فرضية تشابه النمط والأسلوب الذي يشير لوقوف أحمد الغنيم خلفها وهو الذي اعترف بذلك علنا في مناسبات كثيرة.

ثأر دموي بعد تصفية «عرّابي المصالحات» قبيل سقوط درعا
قبل نحو شهرين من سيطرة نظام الأسد على محافظة درعا في نهاية تموز/يوليو 2018، قُتل توفيق الغنيم (أبو مطيع) ومحمد الغنيم وموفق البرجس، بعد استهداف سيارتهم بإطلاق نار على طريق المسيفرة – الغارية الشرقية، في حادثة جاءت ضمن التوترات الأمنية التي سبقت الهجوم العسكري على المحافظة.
وينحدر القتلى من بلدة الغارية الشرقية، وكانوا من أبرز الوجوه المرتبطة بـ“لجان المصالحة”، المتهمة محليًا بنقل شبان من المنطقة إلى درعا لإجراء تسويات أمنية، ترافقت – وفق مصادر محلية – مع تجنيد بعضهم ضمن التحضيرات العسكرية التي سبقت اجتياح النظام للمحافظة عقب معركة الغوطة الشرقية.
وبحسب روايات متقاطعة، حاولت مجموعة من فصائل الجيش الحر، يُعتقد أنها تتبع لـجيش اليرموك، إيقاف توفيق الغنيم ومرافقيه استنادًا إلى تعميم صادر عن محكمة دار العدل في حوران آنذاك، يقضي بإلقاء القبض على من عُرفوا بـ“عرّابي المصالحات” بسبب تصاعد نشاطهم في شهري أيار وحزيران 2018.
وخلال محاولة الإيقاف، أقدم توفيق الغنيم – وفق شهادات عناصر شاركوا في العملية – على إطلاق النار من مسدسه على أحد عناصر المجموعة، ما أدى إلى مقتله، وهو عنصر من بلدة معربة، لترد المجموعة بإطلاق النار على السيارة، ما أسفر عن مقتل الغنيم ومن معه على الفور.
خالف أحمد الغنيم هذه الرواية، معتبراً أن مقتل والده ومن معه جاء نتيجة رفضهم دفع إتاوة مالية بعد تلقيهم تهديدات متكررة من أشخاص لم يكشف عن هويتهم خلال حديثه.
وأوضح أن تلك الجهات أقدمت على تنفيذ عملية الاغتيال لعدم امتثالهم لمطالبها، مشيراً إلى عدم صدور أي قرار استدعاء شخصي بحق والده عن محكمة دار العدل آنذاك، وهو ما أكده له رئيس المحكمة في حينه، عصمت العبسي، خلال تواصله معه لاحقاً.
وكانت دعمت أجهزة نظام الأسد هذه العمليات بشكل ممنهج، مستغلةً الثارات والخلافات العشائرية لتوسيع الشرخ داخل المجتمع المحلي، عبر رعاية مجموعات محلية ومنحها الغطاء الأمني واللوجستي لتنفيذ الاغتيالات وتصفية الخصوم. وسهّل النظام تحركات هذه المجموعات بين القرى والبلدات من خلال حواجزه المنتشرة في المحافظة، متجاوزاً عن نشاطها، بل وحامياً لها في كثير من الأحيان، في إطار سياسة قائمة على تفكيك النسيج الاجتماعي وإبقاء المنطقة في حالة فوضى أمنية مستدامة تضمن له التحكم والسيطرة.







