تقاريرتقارير حقوقية

تحت قبة مجلس الشعب.. تحركات لتجريم “الإساءة لرموز الثورة”

تجمع أحرار حوران – عامر الحوراني

أثارت هتافات صدرت عن بعض جماهير نادي الوحدة الدمشقي، مسيئة للشهيد عبد الباسط الساروت، أحد أبرز رموز الثورة السورية، موجة استياء شعبي واسعة، خلال مباراة جمعت الوحدة بنادي الكرامة الحمصي في الدوري السوري لكرة السلة، يوم الثلاثاء 20 تشرين الأول/أكتوبر٬ وما رافقها من مشادات وهتافات متبادلة بين جمهوري الناديين.

ولم تتوقف تداعيات الحادثة عند حدود المدرجات، إذ انتقلت سريعاً إلى أروقة مجلس الشعب، حيث لوّح أعضاء فيه بطرح مشاريع قوانين تجرّم “الأسدية (تعظيم وتأييد أو دعم حكم الأسد البائد)” وتعاقب المسيئين لرموز الثورة، في خطوة أعادت إلى الواجهة سؤال الدور التشريعي للمجلس في مسار العدالة الانتقالية، وحدود هذه التشريعات والضمانات التي يجب أن تحكمها.

هتافات متبادلة تتحول إلى أزمة

وشهدت صالة الفيحاء في دمشق، مساء الثلاثاء 20 تشرين الأول، مباراة الناديين ضمن الدوري السوري لكرة السلة، وبدأت شرارة التوتر حين أطلق جمهور الكرامة هتافات ضد لاعب نادي الوحدة والمنتخب السوري لكرة القدم عمر السومة، على خلفية ما يعتبرونه مواقف مؤيدة لنظام الأسد البائد، لترد فئة من جمهور الوحدة بهتافات طالت اسم الساروت.

ويحمل الساروت رمزية خاصة لدى جمهور الكرامة، إذ كان حارس مرمى فريق الشباب في النادي قبل أن ينخرط في الثورة السورية منذ أيامها الأولى، ويُعرف بلقب “حارس الثورة” حتى استشهاده عام 2019 متأثراً بجراحه في معارك ريف حماة.

وأصدرت إدارة نادي الكرامة بياناً استنكرت فيه ما وصفته بالإساءات والشتائم بحق الساروت، مطالبة وزارة الرياضة والشباب واتحاد كرة السلة بفتح تحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين، في حين نفت إدارة الوحدة في البداية وجود إساءة، مؤكدة أن هتافات غالبية جمهورها كانت ترحماً على الساروت، قبل أن يزور رئيس النادي ماهر المهاجر منزل عائلة الساروت لتقديم الاعتذار عما نُسب إلى فئة من الجمهور.

وعلى المستوى الرسمي، أعلن الاتحاد السوري لكرة السلة تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لفحص التسجيلات ومحاسبة المتورطين، فيما توعدت وزارة الرياضة والشباب باتخاذ أشد العقوبات بحق من يثبت تورطه، وطالبت لجنة الشباب والرياضة في مجلس الشعب بتحقيق فوري وعقوبات رادعة، معتبرة أن ما جرى لا يمثل أهالي دمشق ولا تاريخ نادي الوحدة.

وشهدت مدينة حمص احتجاجات ليلية على خلفية الحادثة.

“ثورة تشريعية” تحت قبة المجلس

وفي أعقاب الحادثة، دعا عضو مجلس الشعب عن محافظة درعا، عبد المولى الحريري، الملقب بـ”أبو مجاهد الحريري”، مع نواب آخرين إلى وقفة صامتة للنواب أمام مبنى مجلس الشعب، قائلاً في منشور عبر صفحته على فيسبوك إن الوقفة ستعقبها “ثورة تشريعية صارمة وحازمة” ضد الفلول وأعداء الثورة.

وفي حديث لتجمع أحرار حوران، قال الحريري إن مقترحاً شفهياً طُرح داخل المجلس لسنّ قانون يعاقب على الإساءة لرموز الثورة السورية، سواء كانوا شهداء وأشخاصاً، أو رموزاً اعتبارية كالجيش والدولة والعلم.

وأوضح الحريري أن لجنة العدالة الانتقالية تعمل حالياً على صياغة قانون شامل للعدالة الانتقالية، وأبلغت المجلس بأنه سيتضمن مواد تخص معاقبة المسيئين لرموز الثورة، في حين يرى عدد من النواب ضرورة إفراد هذا الملف بقانون مستقل، مشيراً إلى أنه يتبنى مع نواب آخرين مشروع قانون لتجريم الإساءة للثورة ورموزها.

وبحسب الحريري، يحتاج القانون بعد طرحه إلى دورة تشريعية كاملة قد تمتد نحو شهرين، لافتاً إلى أن وزارة العدل تعمل بدورها على حزمة قوانين جديدة ستُحال إلى المجلس، وفي حال لم تتضمن تجريم الأسدية والإساءة للثورة ورموزها، فإن أعضاء المجلس سيتقدمون بهذه القوانين لتدخل مسارها التشريعي الكامل.

وأكد الحريري أن هذه الملفات تحظى بأولوية لدى مجلس الشعب، وأن النواب يعملون بشكل دؤوب على صياغتها “بطريقة ترضي أهل الثورة”، على حد تعبيره.

فراغ تشريعي منذ الإعلان الدستوري

وتستند المطالبات بتجريم “الأسدية” إلى المادة 49 من الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025، والتي تنص في فقرتها الثالثة على أن الدولة تجرّم تمجيد نظام الأسد البائد ورموزه، وتعدّ إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين منها جرائم يعاقب عليها القانون، فيما تنص فقرتها الأولى على إحداث هيئة للعدالة الانتقالية تتولى سبل المساءلة وكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وتكريم الشهداء.

غير أن النص الدستوري لم يحدد العقوبات ولا أركان هذه الجرائم، ما يُلقي على مجلس الشعب مسؤولية سنّ قانون خاص لتطبيقه، وهو ما بقي معلّقاً طوال الفترة التي سبقت انعقاد المجلس.

وكانت وزارة العدل قد أعلنت في حزيران الماضي، إعداد مشروع قانون يجرّم إنكار انتهاكات النظام البائد، على أن يُرفع إلى مجلس الشعب فور انعقاده تزامناً مع وقفة احتجاجية في دمشق طالبت بـ”تجريم الأسدية”.

كما تنتظر الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عرض مسودة قانون العدالة الانتقالية الذي أعدّته على المجلس لإقراره، في وقت يُشير فيه معنيون إلى أن جزءاً من المحاكمات ما يزال مرتبطاً باعتماد هذه القوانين.

ويلفت مراقبون إلى أن النص الدستوري يتحدث صراحة عن تجريم تمجيد النظام البائد وإنكار جرائمه، بينما لا يتضمن نصاً مماثلاً بشأن “الإساءة لرموز الثورة”، ما يطرح تساؤلات حول السند القانوني لهذا الشق من التشريعات المرتقبة، وما إذا كان سيُدرج ضمن قانون تجريم الأسدية أو في إطار تكريم الشهداء الذي نصت عليه الفقرة الأولى من المادة ذاتها.

بين المحاسبة وحرية التعبير

وفي قراءة قانونية للملف، قال المحامي والناشط الحقوقي المعتصم بالله الكيلاني، مدير “راصد سوريا”، لتجمع أحرار حوران إن المادة 49 من الإعلان الدستوري لا تمتد إلى تجريم «الإساءة إلى رموز الثورة»، إذ تقتصر على تمجيد نظام الأسد ورموزه وإنكار جرائمه والإشادة بها وتبريرها والتهوين منها، ولا يجوز توسيع نطاقها بالقياس، لأن المادة 17 تقرر أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.

وأضاف الكيلاني أن إنشاء جريمة خاصة لحماية رموز الثورة يحتاج إلى نص تشريعي صريح، يبقى بدوره خاضعاً لضمانات حرية التعبير الواردة في الإعلان الدستوري، معتبراً أن الأقرب إلى التوازن هو حماية كرامة الأشخاص وسمعتهم عبر القواعد العامة، ولا سيما نصوص الذم والقدح في المواد 568 و570 و572 من قانون العقوبات، التي تتيح الملاحقة حين يستهدف الفعل شخصاً محدداً، وتنظم حالات الذم والقدح الموجهين إلى المتوفين.

وشدد على أن ذلك “لا يعني أن كل نقد لشخصية ثورية أو اختلاف مع مواقفها يشكل جريمة”، مقترحاً مراجعة هذه النصوص بما يميز بوضوح بين الاعتداء على السمعة ونقد المواقف والأفعال العامة، ويضمن دفوع الحقيقة والمصلحة العامة وحسن النية، ويتيح الرد والتصحيح والتعويض المتناسب، مؤكداً أن “المكانة الثورية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة من المساءلة”.

وبشأن تنفيذ المادة 49، رأى الكيلاني أن المطلوب تشريع يحدد بدقة الأفعال التي تناولتها، ومعنى العلانية والقصد والسياق، ويفصل بين التمجيد أو الإنكار من جهة، ونقل الأقوال لأغراض البحث أو التوثيق أو النقد من جهة أخرى، محذراً من اعتبار المادة “تفويضاً مفتوحاً لتجريم التعبير”.

ولمنع تكرار نموذج “النيل من هيبة الدولة”، دعا إلى أن يحدد القانون المصلحة التي يحميها والسلوك المحظور تحديداً يمكن توقعه، وألا يكون مجرد الاستفزاز أو مخالفة الرواية السائدة سبباً للملاحقة، مع تناسب العقوبة مع خطورة الفعل، وضمانات تشمل إجراءات التوقيف والحجب والمصادرة “حتى لا تصبح الإجراءات نفسها عقوبة تسبق الحكم”، إلى جانب صون حق الدفاع والطعن واستقلال القضاء وحظر المحاكم الاستثنائية.

وفي مسألة عدم الرجعية، أوضح الكيلاني أن الاستثناء الوارد في الفقرة الثانية من المادة 49 يخص مساءلة جرائم النظام السابق، ولا يجوز نقله تلقائياً إلى معاقبة أقوال سابقة بموجب جريمة تعبيرية مستحدثة، داعياً إلى تحديد النطاق الزمني للقانون بوضوح، والفصل بين مسؤولية ارتكاب الجرائم ومسؤولية التعبير عنها.

الحقيقة قبل العقوبة

ويرى الكيلاني أن حماية سردية الثورة من التشويه “تتحقق بقوة الأدلة وتعدد الشهادات وأمانة عرضها”، مقترحاً إطلاق مسار مؤسسي لكشف الحقيقة يتيح جمع الشهادات وحفظ الوثائق والتحقق منها ونشرها، مع حماية خصوصية الضحايا والشهود، والتمييز بين الوقائع المثبتة وتلك التي لا تزال قيد التحقيق، ودون منح جهة واحدة سلطة احتكار التاريخ.

وعليه، يقترح الكيلاني أن يبدأ المجلس بتشريعات تنظم كشف الحقيقة وحماية الشهود والأرشيف وجبر الضرر ورد الحقوق، بالتوازي مع إصلاح ضمانات التقاضي وتنفيذ المادة 48 المتعلقة بإزالة آثار القمع الاستثنائي، ووضع تشريع منضبط لتنفيذ الفقرة الثالثة من المادة 49، بما يربط حماية ذاكرة الثورة بإنصاف الإنسان الذي قامت من أجله.

المجلس أمام اختبار الأولويات

ويأتي هذا الجدل بالتزامن مع انطلاق الدورة العادية الأولى لمجلس الشعب، التي افتتحها بفتح ملف مراجعة عدد من القوانين القديمة، وسط دعوات من داخل المجلس لإيلاء ملفات تجريم الأسدية والعدالة الانتقالية أولوية على جدول أعماله٬ وفق مصادر متقاطعة لتجمع أحرار حوران.

وبين توجه نيابي لتوسيع الحماية الجزائية لتشمل رموزاً اعتبارية كالجيش والدولة والعلم، وتحذيرات حقوقية من استنساخ نصوص فضفاضة طالما استُخدمت لتكميم الأفواه، يجد مجلس الشعب نفسه أمام اختبار مبكر: تحويل الغضب الشعبي الذي فجّرته حادثة صالة الفيحاء إلى تشريعات منضبطة تصون ذاكرة الضحايا وتنصفهم، وتعزز السلم الأهلي، بدل أن تكون ردّ فعل آنياً على حادثة عابرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى