مقالات

عام على الشرارة… معركة “ردع العدوان” تعود في ذكراها الأولى وسط تحولات سورية وإقليمية

تجمع أحرار حوران – بشار العتمة

يصادف يوم 27 تشرين الثاني الجاري الذكرى الأولى لانطلاق معركة “ردع العدوان”، التي شكّلت إحدى أبرز المحطات في مسار الثورة السورية خلال السنوات الأخيرة. لم تكن المعركة حدثًا عسكريًا عابرًا، بل لحظة فاصلة تجسّدت فيها أبعاد الاحتقان الشعبي واليأس المتراكم في نفوس السوريين بعد موجات متتالية من خيبات الأمل. جاءت هذه اللحظة في وقت شهد تغيّرًا واضحًا في مواقف القوى الإقليمية والدولية، ومحاولات مضنية لإعادة إدماج نظام الأسد وإعادة تعويمه على المسرح السياسي، لتؤكد أن الصراع في سوريا ما زال مفتوحًا على تحوّلات حاسمة.

لكن هذه الدينامية لم تمرّ بهدوء. فالمعركة التي انفجرت في ذلك اليوم لم تكن وليدة اللحظة، بل ثمرة تجهيز طويل امتد لسنوات، سار بصمت في الشمال والجنوب السوريَين عبر شبكات تنسيق عميقة، وإعادة هيكلة مجموعات محلية، وانتشار خلايا نائمة في الجنوب بانتظار لحظة الصفر. ولذلك، عندما انطلقت العمليات، بدت كأنها إعلان واضح لمرحلة جديدة، لا عنوان لها سوى استعادة المبادرة وتغيير قواعد الاشتباك.

من غبار الركود إلى لحظة الانفجار

خلال السنوات التي سبقت المعركة، عاش السوريون حالة من الجمود السياسي والعسكري. النظام ظنّ أن إعادة العلاقات مع عدد من الدول العربية وفتح قنوات تواصل دولية باتت كافية لتثبيت سيطرته، بينما تسرب الإحباط إلى الشارع الذي رأى أن الثورة تُدفع نحو الزوايا الضيقة.

إلّا أن معركة “ردع العدوان” قلبت الصورة، إذ كشفت أن الهدوء لم يكن استسلامًا، وأن التحركات الشعبية والعسكرية كانت تتشكل بعيدًا عن الأضواء. ومع الساعات الأولى لانطلاقها، تبيّن أن التخطيط كان أكثر عمقًا مما ظنّ كثيرون، وأن التنسيق بين القوى الفاعلة تجاوز الحدود الجغرافية التي فرضتها سنوات الحرب، ممهّدًا لعودة مشهد العمل المشترك الذي افتقده السوريون طويلًا.

عام من إعادة الحسابات

خلال العام الذي أعقب انطلاق المعركة، فرضت الوقائع الجديدة نفسها على الأطراف كافة:

  • القوى الدولية التي حاولت إعادة تطبيع النظام وجدت نفسها أمام واقع جديد يؤكد أن الملف السوري لم يُغلق بعد.

  • النظام السوري واجه تحديات متزايدة، خصوصًا في الجنوب الذي عاد إلى واجهة الأحداث عبر نشاطات شعبية ومسلّحة أربكت حساباته الأمنية.

  • الفصائل العاملة في الشمال أعادت ترتيب أوراقها ونقاط انتشارها، مستفيدة من زخم المعركة لتثبيت حضور سياسي وعسكري أكثر تماسكًا.

  • الشارع السوري استعاد جزءًا من الثقة بأنه لا يزال قادرًا على التأثير وقلب المعادلات، رغم حالة الإنهاك الطويلة.

وقد تزامن هذا مع بروز قناعة لدى مراقبين مفادها أن المعركة – رغم محدودية أهدافها الظاهرية – كانت بمثابة اختبار أولي لمرحلة مقبلة قد تحمل المزيد من التحركات المنظمة ضد النظام.

بين الرمزية والرسالة

تحمل الذكرى الأولى لانطلاق معركة “ردع العدوان” رمزية خاصة، فهي لا تستحضر فقط تفاصيل اللحظة العسكرية، بل تعيد فتح نقاش أعمق حول مستقبل الصراع والفرص الضائعة والقادمة. كما تؤكد أن الواقع السوري، رغم تعقيداته وتشابك مصالح الأطراف المحلية والإقليمية، لا يزال مفتوحًا على احتمالات واسعة.

فالرسالة الأساسية التي حملتها المعركة وتستعيدها الذاكرة اليوم هي أن محاولات إعادة تعويم النظام لن تمرّ دون رد، وأن النار التي بدت خامدة لسنوات لم تنطفئ، بل كانت تتقد في الأعماق بانتظار اللحظة المناسبة للظهور.

الذكرى الأولى… محطة تقييم لا احتفال

لا تأتي الذكرى الأولى للمعركة كاحتفال بقدر ما تأتي كمحطة للمراجعة والتقييم: ما الذي تحقق؟ ما الذي تعثر؟ وكيف يمكن تحويل الزخم الرمزي والمعنوي الذي حملته المعركة إلى مسار سياسي أو عسكري مستدام يخدم تطلعات السوريين؟

فالسوريون الذين أنهكتهم الحروب والتهجير والضغوط الاقتصادية يدركون أن الطريق ما يزال طويلًا، لكنهم يرون في ذكريات مثل هذه دلالة على أن الاستسلام ليس خيارًا، وأن إمكانية التغيير ما تزال قائمة مهما طالت السنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى