مقالاتمقالات رأي

اتصالات مكلفة… وإنترنت ضعيف: لماذا يدفع السوريون أغلى فاتورة مقابل أضعف خدمة؟

تجمع أحرار حوران – بشار العتمة

في بلد يرزح تحت ضغوط اقتصادية خانقة، تحوّلت خدمات الاتصالات في سوريا إلى عبء إضافي يتقاسمه المواطنون يوميًا، بعدما أصبحت تكاليف استخدام الهاتف المحمول والإنترنت أعلى بكثير مما يستطيع معظمهم تحمّله، في مقابل جودة تتراجع عامًا بعد عام. وبينما يتسابق العالم نحو سرعات أعلى وتقنيات أحدث، ما زال السوريون يطرحون سؤالًا أبسط بكثير: لماذا ندفع كل هذا المال لقاء خدمة تكاد لا تعمل؟

من يراقب حركة الأسعار في سوريا خلال العقد الأخير يلاحظ أن قطاع الاتصالات كان من أكثر القطاعات ارتفاعًا في التكلفة، إذ شهدت الباقات زيادات متتالية لم يرافقها أي استثمار ملموس في جودة الشبكات أو تطوير سرعتها. فالمستخدم السوري يدفع اليوم ثمن باقة إنترنت بالكاد تمكّنه من التصفح، فيما تصبح مشاهدة مقطع فيديو قصير أو حضور اجتماع عبر الإنترنت مهمة شبه مستحيلة في كثير من المناطق.

ويزداد العبء عندما ندرك أن معظم الرواتب في البلاد لا تكفي لتغطية أساسيات الحياة، ومع ذلك يضطر المواطن لتخصيص جزء من دخله المحدود لتأمين اتصال لا يفي بالغرض. واللافت أن الشكاوى لا تقتصر على المناطق الريفية أو النائية؛ فحتى المدن الكبرى تعاني من بطء الشبكة وانقطاعها في أوقات الذروة، ليصبح الإنترنت جزءًا من المعاناة اليومية بدلًا من أن يكون وسيلة تسهيل للحياة الحديثة.

ويُعزى هذا الواقع، وفق مراقبين، إلى غياب المنافسة الحقيقية. فوجود شركتين فقط في سوق بهذا الحجم يجعل الخدمة أقرب إلى الاحتكار منها إلى قطاع تنافسي قادر على التطور. وفي ظل هذا الغياب، لا تظهر رغبة حقيقية في تحسين الخدمة أو طرح عروض عادلة أو الاستثمار في بنية تحتية عصرية، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية المعقدة التي تمر بها البلاد.

ولا تقف المشكلة عند هذا الحد. فالكثير من البنية التحتية للاتصالات في سوريا يعتمد على تجهيزات قديمة لم تُحدَّث منذ سنوات طويلة. ومع التحديات التقنية، والانقطاعات المتكررة للكهرباء، يصبح الحفاظ على استمرارية الخدمة تحديًا يوميًا لا مشروعًا تقنيًا مستدامًا. وإلى جانب القيود المفروضة على استيراد المعدات الحديثة وارتفاع تكاليف الصيانة، بات تحديث الشبكات عملية شبه مجمّدة.

وتنعكس هذه المشكلات مباشرة على حياة الناس. فالطلاب الذين يعتمدون على الإنترنت لمتابعة دراستهم، والعاملون عن بُعد، والتجار الذين يستخدمون التطبيقات لإتمام أعمالهم، جميعهم يخوضون صراعًا يوميًا مع شبكة غير مستقرة. وحتى التواصل بين العائلات داخل البلاد وخارجها بات معقدًا، إذ قد يتطلب إجراء مكالمة فيديو قصيرة عدة محاولات وربما ساعات انتظار.

ومع ذلك، يظل المواطن السوري مضطرًا لتقبّل هذا الواقع. ففي غياب خيارات بديلة، لا يملك معظم الناس سوى الاستمرار في استخدام الخدمة المتاحة مهما كانت ضعيفة، أو اللجوء إلى حلول تقنية باهظة أو غير قانونية. هذا القبول القسري كرّس حالة من الجمود في قطاع يفترض أن يكون من الأكثر تطورًا، لا من الأكثر تراجعًا.

والمفارقة أن الاتصالات، في أي بلد، تُعد عادة مؤشرًا على التقدم أو التأخر التقني. ففي الوقت الذي توسّعت فيه شبكات الجيل الرابع والخامس حول العالم، لا تزال سوريا تكافح لتوفير اتصال مستقر على الجيل الثالث، ذلك الجيل الذي أصبح في أماكن كثيرة جزءًا من التاريخ الرقمي.

إن السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بسعر الباقات أو سرعة الإنترنت، بل بغياب رؤية واضحة لمستقبل هذا القطاع. فالمواطن لا يعرف لماذا ترتفع الأسعار، ولا إلى أين تذهب عائدات هذه الزيادات، ولا ما إذا كانت هناك خطة لتطوير الشبكة وتحسين الخدمة. فالمشهد يبدو ضبابيًا، وهذه الضبابية وحدها كافية لزرع الشك في إمكانية حدوث أي تطوير حقيقي ما لم تطرأ تغييرات جوهرية أعمق.

ختامًا، يبدو أن قطاع الاتصالات في سوريا يحتاج إلى ما هو أبعد من الصيانة أو التحسين التقني؛ فهو يحتاج إلى مقاربة جديدة بالكامل: مقاربة تقوم على المنافسة، والشفافية، والاستثمار الجاد في بنية تحتية حديثة، وإعادة تعريف الخدمة بوصفها حقًا أساسيًا لا رفاهية نادرة. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى السوريون يدفعون أغلى تكلفة مقابل أضعف خدمة، في واحدة من أكثر المفارقات التي تعكس واقعهم اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى