بعد انحسار الاغتيالات في درعا… هل تبقى طفس الثغرة الأمنية الوحيدة؟

تجمع أحرار حوران – لبنى احمد
أعاد استهداف سيارة براء نواف الزعبي، القيادي في الفرقة 40 التابعة للجيش السوري الجديد، في مدينة طفس بريف درعا الغربي، ملف الأمن في المدينة إلى الواجهة من جديد، بعدما أسفر الهجوم الذي نفذه مجهولون عن مقتل شابين وإصابته، ودفع السلطات إلى إرسال تعزيزات أمنية وانتشار قوات الأمن العام في المدينة بشكل مؤقت.
ويأتي هذا الاستهداف في وقت تعيش فيه محافظة درعا واحدة من أكثر مراحلها استقراراً مقارنة بالسنوات السابقة، بعد التراجع الكبير في عمليات الاغتيال التي كانت تمثل السمة الأبرز للمشهد الأمني خلال سنوات سيطرة نظام الأسد المخلوع.
ويطرح ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت طفس لا تزال تمثل الاستثناء الأمني داخل المحافظة.
فخلال فترة سيطرة النظام المخلوع، كانت محافظة درعا تسجل وسطياً نحو 30 عملية اغتيال شهرياً، استهدفت مدنيين وقيادات سابقة في فصائل الثورة وشخصيات اجتماعية وعسكرية، إضافة إلى تجار مخدرات.
وجاء ذلك في ظل واقع أمني اتُّهمت خلاله أجهزة النظام بتغذية الصراعات المحلية والعشائرية واستثمارها لإحكام السيطرة على المنطقة.
ومنذ سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، وبسط الدولة السورية الجديدة سيطرتها على محافظة درعا، شهدت المحافظة تحولاً أمنياً ملحوظاً.
وانخفضت عمليات الاغتيال تدريجياً حتى اختفت بشكل شبه كامل منذ مطلع عام 2026، ولم تُسجل سوى عملية اغتيال بارزة واحدة، استهدفت القيادي السابق في الجيش الحر حسين ناجي الزعبي في مدينة طفس خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.
ورغم هذا التحسن الأمني اللافت على مستوى المحافظة، لا تزال طفس تسجل سلسلة من الحوادث الأمنية التي تجعلها تبدو استثناءً مقارنة ببقية مدن وبلدات درعا، في ظل استمرار انتشار السلاح ووجود مجموعات محلية مسلحة ومطلوبين تمكنوا في أكثر من مناسبة من الإفلات من الملاحقة الأمنية.
مدينة كانت بؤرة للاغتيالات
خلال الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2024، تحولت طفس إلى واحدة من أكثر مدن درعا تسجيلاً لعمليات الاغتيال وفق مكتب التوثيق في تجمع أحرار حوران، إذ لم يكن يمر شهر تقريباً دون وقوع عملية اغتيال أو أكثر.
ويرجع ذلك إلى تعقيدات المشهد الأمني آنذاك، إذ عجز نظام الأسد عن فرض سيطرة كاملة على المدينة بسبب وجود مجموعات محلية رفضت اتفاقات التسوية.
ووفق معطيات ميدانية رصدها تجمع أحرار حوران طوال تلك السنوات، لجأت أجهزة النظام الأمنية إلى استثمار الخلافات المحلية والعشائرية وتغذيتها، ما ساهم في تحويل المدينة إلى بؤرة دائمة للعنف والاغتيالات.
الاغتيال الوحيد… لكنه لم يكن الحادثة الوحيدة
في السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر، اغتال مجهولون القيادي السابق في الجيش الحر حسين ناجي الزعبي بإطلاق النار عليه عقب خروجه من أحد المساجد في مدينة طفس، في أول عملية اغتيال تشهدها المحافظة منذ أشهر طويلة.
وأثار الحادث ردود فعل واسعة، إذ عقدت عشيرة الزعبي اجتماعاً طالبت خلاله الجهات الأمنية بتحمل مسؤولياتها، وملاحقة المجموعات التي تهدد أمن المدينة وتقوض حالة الاستقرار.
وقال أحد أقارب الزعبي، في حديث لتجمع أحرار حوران، إن قضية اغتياله، إلى جانب مقتل القياديين السابقين ثائر الطيباوي الزعبي وخالد الطيباوي الزعبي، لم تشهد تقدماً ملموساً، مشيراً إلى أن الجهات المختصة لم تعلن حتى الآن عن التوصل إلى منفذي تلك الجرائم أو كشف ملابساتها، وهو ما عزز حالة القلق لدى ذوي الضحايا وعدد من أبناء المدينة.
ورغم أن المحافظة لم تشهد عودة لعمليات الاغتيال بعد تلك الحادثة، فإن طفس واصلت تسجيل خروقات أمنية متكررة خلال الأشهر الماضية.
ويأتي ذلك في وقت تمكنت فيه إدارة الأمن الجنائي في محافظة درعا من كشف ملابسات عدد من الجرائم الجنائية في مناطق أخرى بالمحافظة وإلقاء القبض على مرتكبيها خلال فترات زمنية قصيرة، لم تتجاوز في بعض القضايا 48 ساعة، وفق تقارير سابقة نشرها تجمع أحرار حوران، الأمر الذي يثير تساؤلات حول أسباب تعثر التحقيقات في بعض القضايا التي شهدتها مدينة طفس.
سلسلة من الخروقات الأمنية
في شباط/فبراير الماضي، أصيب عنصر الأمن الداخلي محمد عاطف الحريري بإطلاق نار نفذه مجهولون على الطريق الواصل بين طفس وداعل.
وفي حزيران/يونيو، داهمت قوة من الأمن الداخلي منزل المطلوب محمد جهاد البردان، المتهم بقيادة مجموعة تنشط في السلب والسرقة، إلا أنه تمكن من الفرار بعد اشتباكات مسلحة أدت إلى إصابة عنصرين من القوة الأمنية، قبل أن يتكرر السيناريو ذاته بعد خمسة أيام خلال مداهمة ثانية.
وقبل أيام تعرضت مفرزة الأمن الداخلي في المدينة لإطلاق نار مباشر ولاذ المنفذ بالفرار دون تفاصيل إضافية عن السبب.
كما شهدت المدينة حادثة سرقة واسعة في 11 آذار/مارس الماضي، إذ تعرض أكثر من 15 محلاً تجارياً للسرقة خلال ليلة واحدة، ما أثار مطالبات شعبية بتشديد الإجراءات الأمنية.
وسبق ذلك، في الرابع من كانون الثاني/يناير، تعرض دورية للأمن الداخلي ومختار من المدينة لاعتداء أثناء محاولة توقيف أحد المطلوبين بقضايا سلب، في حادثة عكست حجم التحديات التي تواجهها القوى الأمنية في فرض سيادة القانون.
وجرت اشتباكات مسلحة بين أفراد من عائلة الزعبي في حزيران/يونيو 2025، أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم القياديان السابقان في فصائل المعارضة ثائر الطيباوي الزعبي وخالد الطيباوي الزعبي.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر، أصيب ثلاثة أشخاص إثر إلقاء قنبلة يدوية داخل حفل زفاف نتيجة خلاف شخصي، في واحدة من عدة حوادث أمنية شهدتها المدينة خلال الفترة الماضية.
تحدٍ أمني مختلف
تشير الوقائع المتتالية إلى أن طبيعة التهديد الأمني في طفس تختلف اليوم عما كانت عليه خلال سنوات النظام السابق.
فبينما تراجعت الاغتيالات السياسية بصورة كبيرة على مستوى محافظة درعا، ما تزال المدينة تشهد حوادث إطلاق نار واشتباكات ومحاولات استهداف، إضافة إلى تعثر بعض العمليات الأمنية بسبب انتشار السلاح وقدرة بعض المطلوبين على الإفلات من الملاحقة.
ويفرض ذلك تحديات إضافية أمام الأجهزة الأمنية مقارنة ببقية مناطق المحافظة.
وقال الصحفي باسل الغزاوي، في حديث لتجمع أحرار حوران، إن كثيراً من أهالي طفس يشكون من إحالة معظم الخلافات إلى الحلول العشائرية، حتى عند مراجعتهم مخفر المدينة لتقديم شكاوى تتعلق باعتداءات أو نزاعات، بدلاً من اتخاذ إجراءات قانونية رادعة.
وأضاف أن الحلول العشائرية قد تسهم في احتواء بعض الخلافات، لكنها لا تكفي لإنهاء حالة الانفلات الأمني، مؤكداً أن فرض هيبة الدولة، وتطبيق القانون، وملاحقة المطلوبين، وضبط السلاح، هي خطوات لا غنى عنها لتحقيق استقرار دائم في المدينة.
وبينما تنعم معظم مدن وبلدات درعا باستقرار أمني غير مسبوق منذ سنوات، إلى حد أن أحد المواطنين قال لتجمع أحرار حوران: “صرنا نستغرب إذا سمعنا صوت مفرقعات نارية”، تبقى طفس المدينة الأكثر حضوراً في سجل الحوادث الأمنية.
ويثير ذلك تساؤلات حول قدرة السلطات على إغلاق آخر منافذ الانفلات الأمني في المحافظة، ومنع تحول هذه الخروقات إلى مدخل لعودة مرحلة الاغتيالات التي أنهكت درعا لسنوات.




