أخبارتحقيقاتتقاريرتقارير ميدانية

حادثة الحراك.. تعيد تسليط الضوء على ملف العدالة الغائبة في درعا

تجمع أحرار حوران – خاص

شهدت مدينة الحراك بريف درعا الشرقي حادثة مقتل قاسم سرور العدوي (أبو وهيب)، في الثمانينات من عمره، يوم الثلاثاء 31 آذار، إثر إطلاق نار مباشر على الطريق الواصل بين الحراك وإزرع، في واقعة أعادت خلط الأوراق ودفعت بملفات مؤجلة إلى الواجهة.

هذه الحادثة لم تمر كواقعة معزولة، بل أعادت إلى الواجهة ملف العدالة الانتقالية المؤجل في درعا، حيث تتراكم مئات القضايا والدعاوى دون حسم، وسط تباطؤ واضح في تعاطي الأجهزة الأمنية والقضائية، مقابل محاولات من بعض لجان الصلح لتمييع ملفات حساسة في الثورة وتحويلها إلى تسويات عشائرية، ما يزيد من حالة الغضب الشعبي ويهدد بانفجارات مشابهة.

وبحسب مصادر محلية متقاطعة، جاءت الحادثة عقب مشادة كلامية مع الشيخ طلال الفاضل، أحد أوائل المنخرطين في الحراك الثوري في المدينة، وكان له دور في تحريض وتشجيع التظاهرات في بداياتها، قبل أن تتطور الأحداث بشكل سريع وتنتهي بإطلاق النار ومقتل العدوي.

ورغم أن الحادثة تبدو في ظاهرها جنائية، إلا أن خلفياتها تمتد لسنوات، حيث تلاحق العدوي وبعض أفراد عائلته اتهامات تتعلق بالتخابر مع ضباط في نظام الأسد، وتقديم معلومات عن تحركات الثوار، ما أدى إلى استهداف مواقع مدنية وعسكرية في المدينة خلال سنوات سابقة.

تعود أولى هذه الاتهامات إلى عام 2014، عندما جرى التحذير من قصف مسجد في الحراك بناءً على معلومات منسوبة للعدوي، قبل أن تتعرض المنطقة لغارات جوية بالفعل، مخلفة أضرارًا واسعة وإصابات بين المدنيين. لاحقًا، جرى اعتقاله والتحقيق معه، حيث أقرّ – وفق روايات محلية – بتقديم معلومات لضباط نظام الأسد، قبل أن يُفرج عنه دون استكمال المسار القضائي.

وفي عام 2015، خلال معركة تحرير اللواء 52، عثر الثوار على هاتف يعود للعميد مالك كامل درغام ضابط أمن اللواء، احتوى على مئات الرسائل التي توثق عمليات رصد دقيقة لتحركات الثوار، من بينها رسالة نُسبت لأدهم قاسم العدوي (ابن القتيل)، تضمنت إحداثيات دقيقة لمواقع تم قصفها لاحقًا٬ فضلا عن عشرات الرسائل التي كشفت لأبو وهيب نفسه.

رسالة نصية (SMS) من هاتف ضابط امن اللواء تلقاها من ادهم قاسم العدوي

وتشير المصادر إلى أن هذه الرسائل لم تكن حالة فردية، بل جزءًا من شبكة أوسع ضمت عدة أسماء من العائلة من بينها ابو وهيب، تضمنت معلومات عن تجمعات الثوار والمشافي الميدانية، ما تسبب بسقوط قتلى وجرحى في أكثر من حادثة.

هذه الأدلة سُلّمت حينها إلى محكمة دار العدل في حوران، التي باشرت التحقيق واعتقلت عددًا من المتهمين، إلا أن القضية لم تصل إلى نهايتها، بعد تدخل وساطات عشائرية وضغوط من شخصيات نافذة، أدت إلى الإفراج عن بعضهم، وبقاء الملف دون حسم.

كما تتحدث روايات أخرى عن دور للعدوي في تسليم الشيخ وجيه القداح عام 2011 حين جرى اختطافه عبر سيارة مدنية من منزله الكائن بقرب منزل ابو وهيب في الحراك، في حادثة ما تزال حاضرة في ذاكرة أبناء المدينة.

ولا تتوقف الاتهامات عند هذا الحد، إذ تشير مصادر إلى دور لبعض أفراد العائلة في تسهيل تقدم قوات النظام إلى الحراك عام 2018، عبر تزويدها بمعلومات عن الثغرات والتحركات، وهو ما اعتبره كثيرون عاملًا مؤثرًا في سقوط المدينة وما تلاه من اعتقالات وانتهاكات.

صورة للنقيب محمد حبيب العدوي الذي شارك مع قوات النظام البائد باقتحام مناطق في الغوطة الشرقية ودرعا عام 2018

وتشير معلومات محلية إلى أن المرحلة التي أعقبت تهجير الثوار نحو الشمال عام 2018 شهدت حوادث اعتداء وتعدٍ على ممتلكات عامة وخاصة في مدينة الحراك، حيث أقدم أفراد من عائلة العدوي، بينهم أبناء قاسم العدوي، على عمليات تعفيش طالت منزل الشيخ طلال الفاضل ومنزل القيادي في الفصائل الثورية منيف القداح (الزعيم)، إضافة إلى ممتلكات تابعة لمسجد السيدة عائشة.

وبحسب الروايات، شملت هذه العمليات سرقة تجهيزات البئر، من بينها مولدة كهربائية (باركينز) مقدّمة كوقف، وكابلات تشغيل، فضلًا عن محاولة إنزال خزان مياه كبير من سطح المسجد، ما أدى إلى ملاسنة مع عدد من أبناء المدينة. كما أفادت المصادر بأن المسجد أُغلق لاحقًا بقرار من الأمن السياسي، وبقي خارج الخدمة منذ عام 2018 حتى أعيد افتتاحه بعد التحرير وإعادة ترميمه في مرحلة لاحقة، في واقعة تعكس حجم الانتهاكات التي رافقت تلك المرحلة.

كما برزت خلال تلك المرحلة ممارسات ابتزاز طالت ذوي المعتقلين، حيث أفادت شهادات محلية بأن المحامي محمد العدوي استغل حالة الخوف والغياب الكامل للمعلومات حول مصير الموقوفين، وقام بطلب مبالغ مالية من عائلاتهم مقابل وعود بالسعي للإفراج عن أبنائهم أو تزويدهم بأي معلومات عنهم داخل سجون نظام الأسد. وبحسب هذه الإفادات، فإن هذه الممارسات لم تكن حالات فردية، بل شكّلت جزءًا من شبكة استغلال لمعاناة الأهالي، ما ضاعف من حجم الانتهاكات التي رافقت تلك المرحلة، وألقى بظلال إضافية على ملف العدالة المؤجلة حتى اليوم.

كما تفيد روايات محلية بأن تلك المرحلة شهدت استهدافًا مباشرًا لكل من تربطه صلة بالشيخ طلال الفاضل، بالتزامن مع عودة الأهالي النازحين إلى مدينة الحراك، حيث طالت الاعتقالات عددًا من أقاربه، من بينهم شقيقه أدهم الفاضل الذي جرى اعتقاله وتسليمه إلى سجن صيدنايا، إضافة إلى مجدي عماد الفاضل الذي اعتُقل بتهم تتعلق بعلاقته بالشيخ ومشاركته في ملاحقة خلية متهمة بالتعامل مع النظام، قبل أن يقضي تحت التعذيب داخل سجون النظام.

وبحسب المصادر، استمر احتجاز أدهم الفاضل لنحو عامين ونصف، وسط معلومات عن تعرضه لتعذيب شديد، ما دفع أقاربه لاحقًا إلى ممارسة ضغوط للإفراج عنه، لينتهي الأمر بخروجه بحالة صحية متدهورة.

وبعد سقوط النظام، تقدم عدد من أبناء الحراك بدعاوى رسمية ضمن مؤسسات الدولة الجديدة، تستهدف قاسم العدوي ونجله المحامي محمد العدوي، على خلفية هذه الملفات، إضافة إلى تورط المحامي بشكل مباشر في الادعاء على العديد من الثوار المرتبطين بقضية عطية الحاج علي والتسبب باعتقالهم واستشهادهم في سجون النظام أبرزها سجن صيدنايا.

وتم تقديم العديد من الوثائق التي تثبت قيام قاسم العدوي ونجله المحامي محمد برفع دعاوى شخصية ضد عدد من الثوار من أبناء الحراك. هذه بعض منها:

في السياق ذاته، تتقاطع هذه القضية مع حوادث أخرى في المحافظة، منها اغتيال جهاد المصري في بلدة عتمان، يوم 21 شباط٬ وهو رئيس الاتحاد الرياضي السابق بدرعا، والذي ظهرت له سابقًا صور وعلاقات مع ضباط في نظام الأسد، من بينهم مازن حمادة، أحد أبرز الشخصيات الأمنية في الجنوب آنذاك.

هذا التداخل بين الجرائم الحالية وملفات الماضي غير المحسومة يعكس بوضوح خطورة ترك هذه القضايا دون معالجة جدية، حيث تتحول إلى وقود لصراعات اجتماعية وثأرية، بدل أن تُعالج ضمن مسار قانوني واضح يحقق العدالة.

بالمقابل، شهدت محافظة درعا خلال الأشهر الماضية تحركًا من قبل القوى الأمنية في عدد من الملفات الحساسة، حيث نجحت في حسم قضايا بارزة واعتقال شخصيات تُعد من الأسماء الثقيلة في المحافظة، من بينها عماد أبو زريق وأحمد العودة، وذلك على خلفية دعاوى متعددة واتهامات متراكمة.

وعكس هذا التحرك قدرة الأجهزة الأمنية على فرض حضورها عندما تتوفر الإرادة، ما عزز مطالب الشارع بضرورة تعميم هذا النهج على بقية الملفات العالقة، وعدم الاكتفاء بمعالجة انتقائية لبعض القضايا دون غيرها.

وشهدت الساعات الماضية تطورًا أمنيًا جديدًا، تمثّل بإلقاء القبض على حسن المسالمة الملقب بـ“ترتورة” في العاصمة دمشق بتاريخ 2 نيسان/أبريل، من قبل قوى الأمن العام. ويُعد المسالمة من الأسماء المرتبطة بملفات أمنية سابقة في محافظة درعا، حيث تشير معلومات محلية إلى تورطه مؤخرًا في الاعتداء على منزل أحد الثوار في درعا البلد.

وحسن المسالمة هو نجل الشبيح إبراهيم عمر المسالمة وابن أخ الشبيح الأكبر في درعا وسيم اعمر المسالمة قائد ميليشيا العرين سابقاً، ومرتبط مباشرة بأنشطة أمنية خطيرة خلال الفترة 2011–2015، حيث كان معروفًا بسياساته العنيفة واعتداءاته على المدنيين والثوار.

بالتوازي، أطلق ناشطون حملة تحت وسم “مجبورين”، في إشارة ساخرة إلى أشخاص كانوا قد أظهروا تأييدًا علنيًا للنظام عند سيطرته على درعا عام 2018، قبل أن يدّعوا لاحقًا أنهم كانوا “مجبورين”، رغم توثيق مشاهد احتفالهم وتفاعلهم حينها.

كل ذلك يجري في ظل بيئة متوترة، حيث يرى مراقبون أن استمرار التباطؤ في حسم هذه الملفات، وغياب إجراءات حازمة، قد يؤدي إلى مزيد من الانفجارات المحلية، كما حدث في الحراك، ويقوّض أي فرصة حقيقية لتحقيق استقرار مستدام.

اليوم، لم تعد القضية حادثة فردية، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض العدالة، وفتح الملفات المعقدة دون انتقائية أو ضغوط، ووضع حد لمسار طويل من الإفلات من العقاب قبل أن تتحول كل قضية مؤجلة إلى انفجار جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى