تقاريرتقارير إنسانية

درعا: واقع إعادة الإعمار حِملٌ ثقيل على عاتق الأهالي!

تجمع أحرار حوران – خاص

اكتملت الحملة العسكرية التي شنّها النظام السوري وروسيا على محافظة درعا في تموز 2018 بالسيطرة الكليّة عليها، لكن كان لهذه السيطرة والسنين التي سبقتها نتائج وخيمة حلّت على سكّانها، فمنهم من فقد منزله وآخرون فقدوا أملاكهم وسبُل رزقهم، ولكنّ جميعهم تأثروا بدمار وتعطّل مراكز المحافظة الخدمية والحيوية إلى جانب الأضرار الجسيمة في البنى التحتية فيها، والتي تعمّد النظام وآلته العسكرية استهدافها بشكل ممنهج للضغط على الحاضنة الشعبية للمعارضة فيها.

وخسرت محافظة درعا إضافة إلى المنشآت الحيوية والخدمية خلال الهجوم الأخير عليها عشرات المنظمات المهتمة بتنمية القطّاع الخدمي والبنى التحتية، والتي كانت تضخ مبالغ مالية ضخمة في سبيل ذلك، فضلاً عن خسارة المنظمات الإنسانية التي دعمت الأهالي نفسياً ومعنوياً، خشية الملاحقة الأمنيّة للعاملين بها من قبل أجهزة النظام الأمنية، وذلك بعد تغيّر خارطة السيطرة على المنطقة وتقييد عمل المنظمات فيها من قبل النظام السوري.

واقع خدمي سيّء

خلال فترة سيطرة فصائل المعارضة السورية على مساحات واسعة من محافظة درعا بعد إخراج قوات النظام منها، ما بين عامي 2013 و 2018، عملت عشرات المنظمات التنموية والإغاثية في المحافظة على إعمار المنشآت الحيوية والبنى التحتية المدمّرة بشكل كامل أو جزئي والتي قصفها النظام وحلفائه، وذلك من خلال تحديد أولويات المجتمع المدني، وشمل ذلك ترميم المشافي والمدارس، والنقاط الطبيّة، إضافة إلى ترميم شبكات المياه والكهرباء ورفدها بمولدات كهربائية وآبار مياه جديدة.

وتوزعت على خارطة محافظة درعا، 51 مستشفى ونقطة إسعاف ميدانيّة، قدّمت الخدمات الطبية والرعاية الصحية للأهالي وجرحى الحرب في المحافظة، وغطّت كافة النواحي والمناطق والبلدات في أرياف المحافظة، مدعومة من عدة منظمات إنسانية مهتمة بتنمية القطاع الصحي.

إنفوجرافيك يوضح إحصائيّة تقلص عدد المشافي بمحافظة درعا عقب سيطرة النظام عليها

وبسبب القصف الذي طال المشافي بمحافظة درعا بشكل مباشر وسرقة تجهيزاتها من قبل قوات النظام، تقلّص عددها، عقب سيطرة النظام، إلى 9 مشافي ما نسبته 18%، معظمها تقدّم خدمات طبية لا ترقى لمستوى الخدمات التي كانت تقدمها المراكز الصحية والنقاط الطبية من قبل، وتفتقر بشكل كبير للأجهزة الطبية الضرورية للرعاية الصحية، إضافة إلى قلة الأدوية والمستلزمات الطبية.

وأدى افتقار معظم هذه المشافي للمستلزمات الطبية وضعف تخديمها إلى تحويل معظم الضغط إلى مستشفيي بصرى الشام وازرع في الريف الشرقي، ومستشفى طفس في الريف الغربي، ومشفى درعا الوطني التي أصبح على المواطن دفع مبالغ مالية مقابل أي خدمة علاجية فيها، إضافة لأربعة مشافي خاصة، في حين أغلقت عدة مشافي ونقاط طبيّة بسبب الدمار الذي حلّ بها وتوقف الدعم عن معظمها.

ولم يسلم قطاع التعليم من عمليات التخريب الذي نفذتها قوات النظام من خلال قصفها للمدارس، ونهبها المراكز التعليمية التي أنشأتها المنظمات الدولية لدعم عملية التعليم في المنطقة ومن بينها “منظمة غصن زيتون”  إحدى المنظمات الفاعلة في الجنوب السوري بوقت سابق، و التي “كانت تقدم خدمات لما يقارب 118 ألف مستفيد سنوياً”، إضافةً إلى إهمال النظام لتأهيل المدارس ومراكز التعليم وتقنين الدعم المقدم لشراء القرطاسية و تجديد المقاعد الدراسية.

وكان للمراكز التعليمية والمدارس النصيب الأكبر من الضرر الذي خلّفته الحملة العسكرية على المحافظة في تموز 2018، وبحسب مصادر حكومية فقد تعرضت 443 مدرسة للدمار بشكل كلي أو جزئي من أصل 988 مدرسة في محافظة درعا، وهو ما شكّل معضلة كبرى بوجه الأهالي لإكمال تعليم أبنائهم، إضافة إلى تحويل عدد من المدارس لثكنات عسكرية لصالح قوات الأسد وخاصة في منطقة اللجاة شمالي المحافظة.

مدرسة بني معربة الأولى خارجة عن الخدمة بفعل قصفها عدة مرات من قبل النظام السوري


منظمات خجولة ومقيّدة!

توقع الأهالي في محافظة درعا أنّ عمليات إعادة الإعمار للبنية التحتية والمراكز الخدمية التي تدمرت خلال سنوات الحرب باتت قاب قوسين أو أدنى، لاسيما بعد الوعود التي قطعها النظام السوري للأهالي وتعهده بترميمها وإعادة إعمارها في قرى وبلدات درعا كلاً على حدى، قبيل توقيعهم لأوراق التسوية الأمنية معه، ولكن سرعان ما سارت الأمور بعكس ذلك، بسبب توقف معظم المنظمات الدولية في المحافظة عن العمل، وعجز النظام وميزانيته الاقتصادية عن سد التكاليف الضخمة لهذه العمليات.

وصرّح المستشار الإعلامي لمنظمة غصن زيتون “محمود الباشا” في حديثه لتجمع أحرار حوران إنّ “المشاريع التابعة لمنظمة غصن زيتون في الجنوب توقفت في شهر حزيران/يونيو عام 2018 شأنها شأن كل منظمات المجتمع المدني العاملة آنذاك في جنوب سوريا، تزامناً مع بدء الحملة العسكرية التي نفذتها قوات النظام وروسيا على المنطقة”.

وتعود أسباب توقف المنظمات عن العمل في محافظة درعا “نتيجة للوضع الأمني الجديد وخطورة العمل في هذا الظرف، وخوف الكوادر والعاملين في المنظمات بشكل عام من الملاحقة الأمنية أو الاعتقال، ورفض النظام استمرار عمل المنظمات غير المرخّصة أو المسجلة لديه وخاصة بعد الاتهامات التي وجهت من قبل النظام السوري وروسيا للعاملين في منظمة الدفاع المدني” وفق ما صرح “الباشا”.

وتعاني غالبية مناطق ريفي درعا الشرقي والغربي من نقص حاد في مياه الشرب، وتباعد الفترات شهرياً التي يتم فيها إيصال المياه إلى المنازل عبر الصنابير الرئيسية، وذلك بسبب تعطل بعض الآبار في المنطقة وعدم استجابة مجالس النظام المحليّة لطلبات إصلاحها، وعجزها عن رفد الشبكات الرئيسية بآبار مياه جديدة تدعم الشبكة وتقويها، وكذلك ارتفاع تكاليف صهاريج المياه الخاصة بشكل متكرر متجاوزاً عشرة أضعاف ما كان عليه في السنوات الأولى من الثورة السورية، الأمر الذي يزيد العبء على الأهالي هناك.

ولم تكن شبكات الكهرباء في حالٍ أفضل، حيث تعاني قرى وبلدات درعا من طول فترات انقطاع التيار الكهربائي وضعفه على محطات التوزيع مما ينتج عنه تيار كهربائي ضعيف جداً يصل إلى المنازل والمحال التجارية، ناهيك عن الانقطاع المستمر للتيار خلال توفر الكهرباء في الساعتين المحددتين في اليوم، إحداهما صباحاً والأخرى مساءً، دون تقديم حلول من أجل صيانة محولات الكهرباء والكابلات الكهربائية التي تعرضت للقطع “مئات المرات” على طول الشبكات في تلك القرى والبلدات.

وبات الأهالي يواجهون صعوبات في تأمين رغيف الخبز، والذي يعد أهم مادة مُستهلَكة على مائدة المواطن السوري، إضافة إلى سوء جودته، حيث لا تتعدى نسبة الجودة الـ 15% بحسب مصدر محلي للتجمع، وذلك بسبب خلط الطحين بمادة نخالة القمح لزيادة كمية الطحين المخزن لدى مؤسسات النظام الحكومية، وكذلك تخفيض كمية الطحين الواردة للمخابز العامة والخاصة في قرى وبلدات درعا، مما أدى إلى تكرار مشاهدة طوابير المواطنين أمام أفران الخبز.

وعند مقارنة وضع المحافظة الحالي بما قبل تموز 2018، كانت المحافظة تتلقى دعمًا كافيًا من مادة الطحين بشكل يكفي القرى والبلدات جميعها، ما انعكس على جودة الخبز المقدّم للأهالي، دون أن يتم إلزام المواطن بعدد محدد من أرغفة الخبز، كما حدث بعد سيطرة النظام الذي خصّص للموطن حصة قدرها “رغيفان إلا ربع” يوميًا.

إعمار شعبيّ

ومع فشل النظام في جذب المنظمات الدولية للعمل في مشاريع إعادة الإعمار في درعا بسبب التوترات الأمنية التي تعيشها منذ ثلاث سنوات، ظهرت المبادرات الشعبية بشكل ملحوظ لسد الفجوة وتقديم أبسط الخدمات الأساسية للأهالي وإيفاء وعوده بشأن إعادة الإعمار في المنطقة.

وصرفت هذه المبادرات القائمة على تبرعات المغتربين ورجال الأعمال من أبناء محافظة درعا، مئات الملايين من الليرات السورية في سبيل إعادة إعمار المنشآت الطبية والخدمية وإصلاح وتأهيل البنية التحتية بشكل جزئي وتأمين الاحتياجات الضرورية وتلبية متطلبات المجتمع، لتصبح بذلك نواة عمليات الإعمار والإصلاح في المحافظة.

ومنها التي استهدفت إصلاح وتأهيل مشفى بصرى الشام بعد جمع أكثر من 200 مليون ليرة سوري من قبل أبناء المدينة المغتربين ورؤوس الأموال، لتصبح بعد ذلك من أهم المشافي التي يعوّل على خدماتها العلاجيّة في ريف درعا الشرقي.

ومع اتّساع نطاق أعمالها وشمولها عدة قطاعات مختلفة زاد العبء على أهالي ومغتربي المحافظة وأنهكهم ذلك، مع المشاركة الخجولة من قبل بعض المنظمات المحسوبة على الحكومة السورية في عملية إعمار وتأهيل المراكز الخدمية والبنى التحتية، وفي ظل عدم وجود جهات دولية وعالمية ترعى هذه المبادرات واللجان المحليّة المسؤولة عنها.

هذا التقرير هو الأول في سلسلة تقارير ستنشر عبر موقع تجمع أحرار حوران، وستتناول ملف إعادة الإعمار في محافظة درعا من خلال الجهود الشعبية.

أنجَز التقرير فريق العمل بتجمع أحرار حوران (عامر الحوراني – يوسف المصلح – أبو محمود الحوراني) وبشراكة فاعلة من قبل منظمة غصن زيتون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى