تقاريرتقارير إنسانية

مناعة ضعيفة وشح بالموارد.. مخاوف مرضى السرطان السوريّين في ظل “جائحة كورونا”

آلام عابرة للحدود.. مرضى السرطان من اللاجئين السوريين في الأردن

تجمع أحرار حوران – أميمة القاسم

بعد أن قدّم الأردن نموذجاً في التعامل مع وباء كورونا المُستجد، إبّان انتشاره في المملكة منتصف مارس/آذار الماضي، وتصريحات وزير الصحة السابق سعد جابر بأنّ الفيروس “نشف ومات” وتسجيل صفر حالات لأسابيع، عاد الفيروس منتصف أغسطس/آب ليضرب في الأردن من جديد، ولكن بعنف هذه المرّة.

فقد بلغ عدد الإصابات في المملكة الأردنية حتى مساء أمس الجمعة (101.248) إصابة، منها (1.136) حالة وفاة، و (1.786) حالة تحت العلاج في المستشفيات.

ولذلك مازالت الأردن تتخذ بعض الإجراءات الاحترازيّة، وتفرض حظر التجوال بعد الساعة العاشرة ليلاً بالإضافة لفرض حظر تجوال كامل يوم الجمعة من كل أسبوع.

لكن وطأة هذه الإجراءات كانت أشدّ على المرضى ممّن يحتاجون لعلاجات دورية، لاسيّما مرضى السرطان السوريون، وعلى وجه الخصوص القاطنين داخل مخيمات اللجوء، حيثُ أنّ قانون الحظر الشامل قائماً منذُ بداية جائحة كورونا، ومازال الدخول والخروج من وإلى المخيمات ممنوع حتى اللحظة.

عوائق وتحدّيات في تلقّي العلاج:
“لم أتمكّن من الخروج من مخيم الزعتري منذُ تسعة أشهر، بسبب إيقاف الإجازات ومنع الخروج من المخيم” هذا ما قالته ريم البالغة من العمر 38 عاماً والمُصابة بورم في الرأس.

تعيش ريم -اسم مستعار- مع طفليها في مخيّم الزعتري، منذُ بداية لجوئها إلى الأردن عام 2013،  شُخِّص مرضها منذ خمس سنوات، ولكنها بدأت بتلقي العلاج قبل أربعة أعوام تقريباً، وذلك لطولِ مدة الإجراءات المُتخذة من قِبل المفوضية، وعدم مقدرتها ببدء العِلاج على حِسابها الشخصي، بعد تشخيص مرضها.

وأضافت ريم أن الصعوبات لا تكمن في منع التنقل فقط بل في رفض أي جهة طبية داخل المخيّم مساعدتها في تلقّي العلاج بعد رفض المفوضية تغطية علاجها لارتفاع التكاليف.

ريم مع طفليها في مخيم الزعتري

وأوضحت ريم أثناء حديثها لـ”تجمع أحرار حوران” أنّها خلال الأسبوع الماضي ذهبت لإخراج إجازة لمراجعة المستشفى في عمان ولكنّ مكتب الإجازات كان مغلق ولم تتمكن من مراجعة طبيبها، حيثُ تكتفي في الوقت الحالي بأخذ المسكنات لصعوبة الخروج من المخيّم.

وقالت ريم إنّ “المستشفيات داخل المخيم لا تُعطي إحالات خارجية إلا للحالات المرضيّة التي تراها بحاجة ماسة لتلقي العلاج خارج المخيم، وكثير من الحالات تُرفض إحالتها بحجة أنها غير ماسة، وهذه الإحالات لا تُعطى لمن يتلقون علاج دوري كحالتي”.

بينما أم محمد المُصابة بسرطان الثدي والبالغة من العمر 42 عاماً وتُقيم في محافظة إربد، والتي شُخّصَ مرضها منذ ثلاثة أعوام، كانت تتلقى العلاج في مستشفى البشير في عمان قبل أن ترفع المفوضية يدها عن تكاليف علاجها قبل ما يُقارب الستة أشهر، مُعلّلة ذلك بأن تكلفة علاجها تعدت السقف المحدد في تغطية حالتها.

ووفقاً للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين “يُعامل اللاجئ السوري في المستشفيات والمراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة، معاملة الأردني القادر غير المؤمن، إلى أنه يجب إبراز وثيقة طلب اللجوء الصادرة عن المفوضية سارية المفعول، بالإضافة للبطاقة الأمنية الصادرة عن وزارة الداخلية الأردنية”.

وذكر الناطق الرسمي باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، محمد حواري أن المفوضية لا يُمكنها تغطية جميع الحالات التي تُقدم ملفاتها للعلاج بسبب شح الدعم المادي، خاصة فيما يخص الملف الطبي.

وقالت أم محمد لـ”تجمع أحرار حوران” أن جائحة كورونا من الأسباب التي وقفت حاجزاً أمام متابعة علاجها الذي استمر لسنتين، ففي بداية الجائحة لم تتمكن من مراجعة المستشفيات بسبب الحظر الشامل الذي قطع أوصال المملكة، ومن جهة أُخرى بإغلاق المفوضية أبوابها وعدم استقبال أي مراجعات، وصعوبة الاتصال بالمفوضية لعدم الرد على الخط الساخن أو انشغاله الدائم، بحسب قولها.

تلقت أم محمد خلال السنتين الماضيتين جزءاً من العلاج الكيماوي إلا أن مسيرتها العلاجية توقفت قبل الانتهاء من الجلسات المُقررة في خطة علاجها، حيث كان من المُقرر أن تتلقى ثمان جلسات كيماوي ثم إخضاعها لجلسات الأشعة، لم تتلقى منها إلا أربع جلسات كيماوي، بعد ذلك تم إيقاف تغطية علاجها من قِبل المفوضية.

ولدى سؤالنا عن أهم المعوقات التي تقف عائقاً أمام تلقيها العلاج في ظل جائحة كورونا أجابت ريم “قبل كورونا كنت أبحث عن منظمات خارج مخيم الزعتري لأموت براحة بعد تفاقم وضعي الصحي، والآن حتى التنقل لم يعد مُتاحاً وعند ذهابي لمراجعة المفوضية داخل المخيم، قامت الموظفة بطردي بحجة أني زرت المفوضية كثيراً ولا أمل في ترشيح ملفي للمساعدة وتغطية علاجي”.

وتسعى ريم جاهدة الآن، لترشيح ملفها للهجرة وإعادة التوطين لتتمكّن من تلقّي العلاج، ولكن دون جدوى.

ريم، البالغة من العمر 38 عاماً، والمصابة بورم في الرأس

مرضى السرطان ودور المنظمات المانحة:
بات من المعروف من قبل السوريين أن المفوضية أصبحت شبه عاجزة عن علاج مرضى السرطان، وعدم قدرتها على تغطية معظم الحالات المرضية التي يتم تقديمها للجنة المسؤولة عن تقييم حالات المرضى، وإقرار الموافقات النهائية بالتغطية المالية للمرضى.

وهذا ما أكده الدكتور رامي الأحمد اختصاصي جراحة عامة من محافظة درعا لـ “تجمع أحرار حوران” بقوله “إن المفوضية لا تغطي المصابين بمرض السرطان لارتفاع تكلفة الفحوصات والعلاج، فأنا أعالج أكثر من سبعة وثلاثين مريض سرطان حالاتهم مُتفاوتة بين مراحل أُولى وأُخرى مُتقدّمة، وجميع الحالات التي يتم علاجها غير مُحوّلة من أي جهة مانحة، أي أن العلاج على حساب الأشخاص أنفسهم”.

وأضاف الأحمد أن “المنظمات التي تسعى لتمويل الجانب الطبي للسوريين تتجنب دعم مرضى السرطان لارتفاع تكاليف العلاج واحتمالية عدم شفاء المريض، فتكلفة مريض واحد من مرضى السرطان تُعادل ما يقارب تكلفة علاج أكثر من خمسة مرضى بأمراض مختلفة، وأثناء عملي اطّلعت على حالات عديدة عندما يتم تشخيصها بمرض السرطان ترفع الجهة المانحة الدعم عنها خصوصاً إذا كان المرض بمراحله المُتقدمة”.

لم تكن جائحة كورونا هي السبب الرئيسي لإيقاف علاج بعض مرضى السرطان بقدر ما يُشكّل المال أكبر حاجز في تلقي العلاج، كما هو حال هيثم عقيل الذي يُصارع الموت منذُ ثلاث سنوات بعد تشخيص مرضه بسرطان البروستات.

يقول هيثم لـ”تجمع أحرار حوران”، “عند تشخيص مرضي بسرطان البروستات بدأتُ أتعالج على حسابي الشخصي، لكن بعد ستة شهور، لم أعد أمتلك المال الكافي لتغطية تكاليف العلاج، فكان عليَّ أن ألجأ لجهات تساعدني، ربما رحلة علاجي ستدوم سنوات كما أخبرني الدكتور المُختص، وفي بداية عام 2017 ذهبتُ للمفوضية، ولكن تم الرد رفض تغطية علاجي بقولهم إن حالتي ليست ضمن خطة علاج الحالات التي تدعمها المفوضية”.

وتابع هيثم “الآن أتلقّى العلاج في مستشفى البشير الحكومي في عمان حيث التكاليف أقل، لكنّني لم أعد قادراً على التقدم بأي خطوة في علاجي، منذ تفاقم جائحة كورونا، بسبب توقفي عن العمل”.

في هذا السياق يقول الدكتور رامي الأحمد أن المشكلة الأكبر في الملف الطبي للسوريين وخاصة لمرضى السرطان هي مشكلة المال قائلاً “من ملك المال تعالج ومن لم يملك المال التزم بيته”.

وأكدت الدكتورة والناشطة في المجال الإغاثي والطبي ناهد غزول من محافظة حمص أن المنظمات المانحة في ظل جائحة كورونا لم تكن قادرة على تغطية الاحتياجات الأساسية، وبالتالي يستحيل أن تكون قادرة على تغطية علاج مُكلف ويحتاج لميزانيّة عالية كعلاج مرضى السرطان.

وأشارت غزول أنّ “جائحة كورونا” حَدّت من وصول المساعدات للمستفيدين قائلة أن “جائحة كورونا قيدت حركة الداعمين إن وجد الدعم، خصوصاً في الفترة الأولى من الحظر الذي خضعت له الأردن، حيث مُنع حتى مرضى السرطان من الخروج لتلقّي العلاج، وهذا ما جعلنا نفقد الكثير من الداعمين في تلك المرحلة”.

مرضى السرطان والدعم النفسي:
أجمعت النظريات العلمیة للباحثین والأطباء حديثاً أنه إلى جانب الفحص المبكر والعلاج الطبي يحتاج مريض السرطان إلى الدعم النفسي من قبل الأسرة والأصدقاء والمجتمع، لمساعدة المريض على الشفاء.

وأوضحت المعالجة النفسية فداء أبو الخير لـ”تجمع أحرار حوران”،  أنّ مريض السرطان يمر في بداية مرضه لصدمة التشخيص، وتتراوح بمراحل عديدة أولها الإنكار والمفاوضة (لوجود احتمال خطأ التشخيص) ثم حالة الغضب، ويمكن أن تكون موجهة نحو الذات أو نحو الآخرين وبعدها الاكتئاب والانعزال، وأخيراً البحث عن الحلول والخضوع للعلاج”.

وأضافت فداء أنّ أكثر ما يحتاج إليه مريض السرطان في مراحله الأولى، هو الدعم من محيطه القريب كالعائلة أو الزوج والأولاد، فبشكل عام مريض السرطان تكون مناعته ضعيفة ومع الإجهاد النفسي والتوتر تضعف مناعته أكثر وهذا يعني أن فرصة الشفاء تكون أقل، لاسيما في ظل جائحة كورونا و تضارب الأخبار عن الوباء وتهديده للسلام الصحي العالمي.

“بفضل الله أولاً ثم بفضل أسرتي وبالذات زوجتي التي كان وجودها بجانبي يمنحني القوة، وتحملها مسؤولية البيت كاملة، وأنا بأصعب ظروفي، كان له الأثر الكبير لمقدرتي على تخطي المرض وهو في مراحله الأولى”، هذا ما قاله أبو يعقوب المتعافي من مرض سرطان القولون، حيث تم اكتشاف مرضه في مرحلته الأولى وأجرى جراحة لاستئصال جزء من القولون، وخضع بعدها لجلسات أشعة وتعافى من المرض.

عجز طبي ومالي:
تبدو مخاوف انهيار الملف الطبي السوري في الأردن في ظل جائحة كورونا أكثر تجليّاً من أي وقت مضى بحسب ما ذكر الدكتور رامي الأحمد.

وهذا ما أكدته الدكتورة ناهد غزول، حيثُ وصفت الملف الطبي للسوريين في الأردن بشكل عام بالشائك لعدم وجود جهة واضحة وظاهرة للعيان تدعم هذا الملف.

مبينة “أن المفوضية هي الجهة الداعمة الوحيدة وإمكانياتها المالية لتغطية الملف الطبي ضعيفة، كما أن آليّات اختيار المرضى الذين هم بحاجة للعلاج أيضاً ضعيفة وليس لها معايير واضحة” بحسب قولها.

وأشارت غزول “إنّ مرضى السرطان السوريين أعدادهم في ارتفاع مستمر، ولكن ليس هناك إحصائيّة محددة لمعرفة الرقم التقريبي للمرضى، وغالباً هؤلاء المرضى يعتمدون على المساعدات الفردية المُقدّمة من متبرعين وليست المُقدّمة من المفوضية أو من منظمات مانحة”.

وأوضحت الناشطة هبة الحميدي أنّ “الوضع الصحي هو أكثر ما يشغل بال السوريين في البلد المُضيف خاصةً في ظل جائحة كورونا، حيثُ يجد المريض الكثير من الصعوبات التي تقف عائقا أمام تلقّيه العلاج، فبالرغم من كثرة الجهات العاملة في الملف الطبي إلا أن عدم التنسيق بين هذه الجهات سبب في هدر الموارد والدعم”.

مخيم الزعتري في المملكة الأردنية

ومن جانبه قال الناطق الرسمي باسم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، محمد حواري، لـ “تجمع أحرار حوران” إنّ “القسم الصحي هو من أصعب الأقسام في متابعته، خصوصاً في ظل جائحة كورونا، لأن التكاليف الصحية والعلاجية دائماً مرتفعة، لاسيما أصحاب الأمراض المزمنة والأمراض السرطانية تحديداً، فعملية تحديد المرض والكشف عنه بحد ذاته مُكلفة جداً، ودائماً نكون أمام خيارات صعبة مابين الموافقة على تغطية المريض أو لا، فالأمر يعود للجنة الطبية التي تنظر بعين الاعتبار لفاعلية العلاج أو عدم فاعليته، فمن واجبنا الحفاظ على حياة هذا الإنسان”.

وأشار حواري إلى أنّ جميع اللاجئين السوريين بدون استثناء يُمنحون الحق بالعلاج من خلال المفوضية حسب معايير الإيعاز المعمول بها من قبل المفوضية بغرض استهداف الفئة الأكثر احتياجاً.

وناشد حواري المجتمع الدولي لتغطية الاحتياج المالي شارحاً “اليوم نحن بالكاد نملك 12 بالمئة من التمويل اللازم ونحتاج لـ 356 مليون دولار حتى نستطيع تغطية جميع البرامج بما فيها الملف الطبي”.

كما أوضح حواري أن المرضى داخل المخيمات تتم إحالتهم عن طريق مستشفى العون، لتلقّي العلاج خارج المخيم من ثم إعادتهم بسيارات العون الخاصّة.

في حين يتلقى مرضى السرطان حصة الأسد على طاولات الحوار في المؤتمرات وفي الاجتماعات التي تعقدها الجمعيات مع الجهات الداعمة إلا أنّ الكثيرون منهم في الواقع يموتون وهم على طابور انتظار العلاج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى