تقاريرمقالات

مجزرة مساكن صيدا في 29 نيسان 2011 تاريخ كُتب بالدم “من المسؤول عنها.؟!”

تجمع أحرار حوران – هند مجلي

حمزة الخطيب ، ثلاثة عشر ربيعًا هي عمره الغض.. وكأي طفل في هذا العالم، كانت له أحلامه الصغيرة وأمانيه، لا يعنيه عالم الكبار إلّا بما تربّى عليه من واجب احترامهم ومساعدتهم، كان يعشق كرة القدم ويتابع المباريات، وأخبار الفرق الرياضية العربية والأوروبية، كان له فريقه المحبب وهو ريال مدريد ونجمه رونالدو الذي كان يحلم أن يكون مثله حين يكبر..

كان يحب الحيوانات الأليفة ويعتني بها جدًا، لذلك كان يُربّي الحمامات على سطح بيته، ويستمتع بإطعامها، ويخاف كثيرًا أن يفقد أيّاً منها، وحين يرى فقيرًا في الشارع، كان يركض مُسرعًا بكل اللهفة إلى البيت ويطلب نقودًا من أبويه اللذين يعرفان دائمًا أنّ النقود سيعطيها لفقير ما، وأنّ ذلك يسعده جدًا..

الطفل “حمزة الخطيب” (13 عامًا)

لم يكن يعرف السياسة ولا يفهم ماتعنيه، إلّا أنّه سمع مثل غيره من السوريين باعتقال الأطفال في درعا البلد في 27 شباط 2011، بسبب كتابة عبارات مناهضة لنظام الأسد على جدران المدرسة..

وسمع بعد ذلك عن مظاهرة الأهالي من ريف درعا الشرقي المتوجهة إلى درعا البلد وقرر أن يُشاركهم، دون أدنى خوف من الاعتقال أو الموت برصاص قوات الأسد.. كان عنوان المظاهرة هو ما يهمه.. مظاهرة فك الحصار عن درعا 29 نيسان 2011

قرر أن يُشارك مع المتظاهرين كبارًا وصغارًا، وينقل الخبز وحليب الأطفال لأهالي درعا البلد الذين حاصرهم نظام الأسد ومنع عنهم كل شيء..

انطلق المتظاهرون مشيًا على الأقدام باتجاه مدينة درعا، يهدفون لفك الحصار عنها وتقديم الغذاء لأهلها وأطفالها..

وفي قرية صيدا، شرقي درعا، مساكن الضباط تحديدًا، كان الكمين بانتظار المتظاهرين، ولما وصولوا قبالة مساكن صيدا العسكرية تم إطلاق الرصاص الغزير باتجاههم فاستشهد ما يقارب 120 شخصًا، وفُقد العشرات، واعتقل نظام الأسد مئات بينهم أطفال، وعلى رأسهم “حمزة الخطيب” وصديقه وزميل صفه “تمر الشرعي”..

لم يكن أمام من نجا من المتظاهرين إلّا الركض والهروب من الرصاص، وكان حمزة وتامر من بينهم، فركضا واختبئا معهم في قبو عمارة مجاورة، إلّا أن عناصر الأسد تمكّنوا من اللحاق بهم وإطلاق الرصاص عليهم ومن ثمّ اعتقالهم جرحى وشهداء..

قال لي أحد الناجين من الموت والاعتقال “بعد إطلاق النار علينا واختبائنا في الأبنية المجاورة سمعنا صوت سيارات الإسعاف وكان بيننا عدد من الجرحى، ففرحنا وخرجنا باتجاهها وإذ بالبواريد تطلق علينا رصاصها من نوافذ سيارات الإسعاف، واستشهد عدد آخر منا ونجوت أنا وعدد قليل بأعجوبة”..

نجا عدد قليل من المتظاهرين من الموت وتمكّنوا من العودة إلى بيوتهم وأهلهم.. غير أنّ حمزة وتامر ماعادا ..وبدأ ذويهم في بلدة الجيزة رحلة البحث عنهم لكنهم لم يعثروا عليهم، ولم يعرفوا مكانهم كما غيرهم وظلّت الحيرة والأحزان تلف أُسرًا بأكملها فلم تعرف مصير أبنائها شهداء أم معتقلين..

كانت صدمة ذوي حمزة كبيرة عندما علموا بخبر استشهاده، بعد 28 يومًا من التعذيب في سجون الأسد، كان الخبر مؤلمًا جدًا، وكان لاستشهاده دور كبير في إشعال جذوة الثورة السورية، ومد رقعتها، بعدما عاين السوريون وحشية نظام الأسد وعدم تورعه عن تعذيب وقتل أي سوري، حتى ولو كان طفلًا..

الطفلان “حمزة الخطيب” و “ثامر الشرعي”

حاول الأقارب والجيران والأصدقاء منع والدي حمزة من النظر إلى جثة حمزة، فقد خافوا عليهم من الصدمة لدى رؤية آثار التعذيب الشديد على جسد حمزة ولم تتمكن أمه إلّا من نظرة أخيرة لوجه حمزة، إلّا أنّ والد حمزة أصرّ على رؤية جثة ولده، وصُدم جدًا لدى رؤيتها..

في ذلك الوقت بث نظام الأسد أكاذيب مفادها أنّ حمزة كان ضمن مجموعة تُريد سبي النساء من مساكن صيدا العسكرية، وهي عبارة تكررت في إعلام النظام تلك الفترة، دون أدنى شعور بالذنب تجاه الجريمة، لكنّ حمزة يبقى رمزًا للأطفال في سورية، رمز البراءة والطفولة التي قتلتها أجهزت النظام الوحشية، وما زالت دون توقف..

طلب رأس النظام “بشار الأسد” مقابلة والد حمزة في قصر الشعب بدمشق، ومن ثمّ ظهر والد حمزة على شاسة التلفزيون ليتحدث عن لقائه ببشار وما دار بينهما أثناء اللقاء، وقال والد حمزة أنّ بشار وعده بالتحقيق في مقتل حمزة ومحاسبة القتلة..

قبل المظاهرة بيوم مشى حمزة بسعادة مع رفاقه في شوارع بلدته الجيزة بريف درعا، يُفكّرون في اليوم التالي وماذا سيأخذون معهم من غذاء وشراب لأهالي درعا القابعين تحت الحصار..

وخلال هذا المشوار الأخير لحمزة، وجد قطة صغيرة تتضوّر جوعًا، وسرعان ما التقطها وحملها بيديه ووضعها على صدره وقبلّها، وأخذها معه إلى البيت وأطعمها، ثم طلب من والدته أن تعتني بها لحين عودته من المظاهرة في اليوم التالي، ثم حملها الى سطح البيت حيث حماماته التي يُربّيها، تحدّث مع الحمامات وأخبرها أنّه أحضر ضيفًَا لها وطلب من الحمامات أيضًا الاعتناء بقطته الصغيرة أثناء غيابه.. إلّا أنّ حمزة لم يعد أبدًا..

كانت جنازة حمزة مظاهرة حاشدة في 25 مايو 2011 شارك فيها عدد كبير جدًا من أهالي درعا..

كتب على شاهدة قبر حمزة اسمه وتاريخ ميلاده وتاريخ استشهاده.. إلّا أنّ الشاهدة تحطّمت بسبب قذيفة أطلقتها قوات الأسد على قبر حمزة..

“آفاق محمد أحمد” -وهو من أبناء الطائفة العلوية- مدير قسم العمليات الخاصة بإدارة المخابرات الجوية العقيد “سهيل الحسن”، تحدّث في وقتٍ سابق تخطيط فرع المخابرات الجوية مسبقًا لمجزرة مساكن صيدا، كما روى مشاهدته لاعتقال الطفل حمزة الخطيب..

وعن تفاصيل مجزرة مساكن صيدا بريف درعا قال آفاق في تصريحات سابقة لقناة الجزيرة الفضائية “بتاريخ 29/4/2011 وكان يوم الجمعة حوالي الساعة 10 صباحاً جاء عبر مكالمة من أحد المخبرين للمساعد فواز قبيع، وهو من العناصر الرئيسية عند العقيد سهيل الحسن وكنت حاضرا في المكتب، أن هناك عشرات الآلاف تنوي الخروج بعد صلاة الجمعة والتوجه لدرعا لفك الحصار عنها بعد أن وقعت هذه المحافظة في حصار من قبل النظام لأيام وتعرضت لحالة حرمان من الاتصالات والكهرباء والمياه والدواء وغيرها من الضرورات”.

وتابع آفاق “قرر أهالي القرى وحوران بشكل عام التوجه لدرعا لفك الحصار عنها، وكون المساعد فواز قبيع من سكان مخيم درعا طلب منه العقيد سهيل الحسن أن يعطيه تصوّراً لكيفية التعامل مع الأمر ومنع هذه الجموع من الوصول إلى درعا”.

وقال أيضاً “المساعد فواز قبيع قال إنّ الحل الوحيد أن نقوم بنصب كمين لهم عند مساكن صيدا العسكرية ويتم تنفيذ مجزرة بهم وهناك مبررات إعلامية يمكن أن تغطي عليها، أولها يمكن القول إن هذه الجموع قادمة للمساكن العسكرية لقتل الضباط وأخذ النساء سبايا والاعتداء على النساء والأطفال العلويين في المساكن، ونكسب بالتالي مكسبين الأول إقحام الجيش في المعركة واعتباره مستهدفا كما النظام والمخابرات مستهدفة، والهدف الثاني هو جر الطائفة العلوية لهذا النزاع عبر القول إن جماعات سلفية طائفية تريد الاعتداء على العلويين وأخذ نسائهم سبايا”.

وقال المساعد المنشق إنّ “العقيد سهيل الحسن اتصل فوراًَ باللواء جميل الحسن وأخبره عن فحوى هذه الخطة فوافق على الفور، وجهزت عناصر النخبة من قسم العمليات الخاصة وتوجهت لمحافظة درعا”.

وأشار إلى أنّه لا يعرف ماذا جرى بالميدان كونه عنصرًا غير ميداني، وأضاف “أنا لم أكن عنصرًا ميدانيًا لكنني شاهدت التجهيزات قبل الانطلاق وعندما عادت القوة آخر الليل حيث كان معهم حوالي عشر باصات محملة بموقوفين وبعض عوائل الضباط إضافة لجثث كانوا يضعونها بأماكن التخزين بالباصات، وأنا رأيتهم وهم يخرجونها ويضعوها بسيارة الشحن العسكري ليتم نقلها إلى مستشفى تشرين العسكري”.

وعن حمزة الخطيب تحدّث آفاق “وجدت في فرع التحقيق 160 معتقلًا كان بينهم أطفال ومن بينهم الطفل حمزة الخطيب وأنا متأكد من رؤيته في فرع التحقيق بمطار المزة ولم يكن قد توفى ولم يكن مصابًا إلّا بإصابات طفيفة جراء ضرب بسيط ولم يكن مصابا بأي طلق ناري، وكان معه أطفال آخرون وقد يكون بينهم تامر الشرعي لكن حمزة الخطيب أنا متأكد أنه كان موجودًا”.

وعن عدد الجثث التي أحضرتها القوة، قال آفاق “تم إحصاء 120 جثة نقلت جميعها لمستشفى تشرين العسكري ليصار لتسليمها لأهاليهم على دفعات حيث كان هناك توجه بأن لا تسلم دفعة واحدة حتى لا يحدث هناك لفت لنظر الإعلام ولعدم حدوث بلبلة عندما يتم تشييع 120 جنازة في يوم واحد”، وأشار إلى أنّه علم لاحقًا أنه لم تسلم كل الجثث وإنما جرى إخفاء بعض الجثث ولا يعرف مصيرها.

وكشف آفاق، إنّ من تولّى التحقيق مع الأطفال بعد مجزرة مساكن صيدا “الرائد طارق سليمان والرائد سهيل الزمام” وعن المسؤول عن قتل الطفل حمزة الخطيب قال : “لا أعرف من قتل الطفل حمزة الخطيب لكن المسؤولية محصورة بخمسة أشخاص وهم المسؤولين عن التحقيق في فرع المخابرات الجوية بدمشق، وهم رئيس فرع التحقيق العميد عبدالسلام محمود وهو شيعي من إدلب من قرية الفوعة، ونائبه العميد نزيه ملحم وهو من الساحل السوري من الطائفة العلوية، يليه العميد سالم داغستاني من حمص وهو سني، ثم الرائد سهيل الزمام من الساحل والرائد طارق سليمان والنقيب باسم محمد”.

حوّل نظام الأسد الثورة السورية إلى حرب وحشية، وقصف المدن السورية ودمر البيوت فوق سكانها، وشهدت بلدة الجيزة كغيرها من المدن الثائرة، الكثير من التدمير والقتل والتجويع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *