مقالاتمقالات رأي

لماذا تنهار المجتمعات بانهيار طواغيتها ؟

تجمع أحرار حوران – يمان الموصلي

غالبا ما كنت أسأل نفسي، لماذا من السهل انهيار مجتمعاتنا، ولماذا سهل على بعض أبنائها خيانتها؟
لماذا يرتبط بعض أبنائنا بقوة خارجية يدافع عنها أكثر مما يدافع عن وطنه الأم؟

والجواب كان وما يزال عميقا ويحتاج إلى دراسة طبيعة التربية والتنشئة وفقه الدين، فأجيالنا تربت في ظل هذه المجتمعات المتهالكة العفنة، مجتمعات وإن نادت بالوحدة العربية، إلا أنها لم تنتج وحدة وطنية يتعايش أبناؤها بسلام في ظل قانون يعتمد على حب الوطن أولا، حب وطنٍ لا يستغله المتنفذون ولا يستبيحه العسكريون.

في بلادنا العربية وسورية خاصة ارتبط حب الوطن بشخص وهذا الشخص يصبح المخلص والمقدام تصفق له الجماهير البسيطة، فما أن يتهاوى المخلص تنهار معه المنظومة المتهالكة سريعاً، فلا تبقى أوطان ولا يبقى إنسان، فالدكتاتوريات لا تذهب إلا بعد أن تنهي الأوطان والإنسان، لأن الإنسان هو من سمح لهذه الدكتاتوريات بالاستمرار حتى أهلكت البشر والحجر.

وناحية أخرى تسيطر على مجتمعاتنا في كل بيت وفي كل حارة، تلك التي نسميها كل يوم بالمؤامرة، المؤامرة المتأصلة منذ القدم في حليب الأمهات، فعلى الفور عندما ترى أخاك أو ابنك عائداً إليك مضرجاً بالدماء وقبل أن تهرع عليه وتمسح دماءه تسأله : من الذي فعل بك ذلك “ابن الحرام”، مستبعداً فرضية أن يكون الابن أو الأخ وقع من تلقاء نفسه. فتلك الغيرة المقيتة منغرسة انغراساً في قلوبنا الرثة وفي عقولنا الساذجة، تجعل من كل ما تقيسه في مجتمعاتنا يعود إلى المؤامرة المنسوجة أصلاً فينا، وتقنعنا هذه المؤامرة بأننا جيدون ورائعون لولا العالم المتكالب علينا ولولاه لكنا نحن الأفضل متناسين أننا الأسوء في هذا العالم.

مع هذه المكتسبات الرثة في عصور العبودية كان لا بد من ثورة تقضي على الظلم والقهر، تقتلع الثياب البالية، التي لبسناها عشرات السنين، طار لها المساكين والمظلومين، وكانوا بحاجة إلى زعيم حتى من ورق يقودهم ويوجههم وهم يقومون بالباقي. فنصّبوا مائة زعيم وعشرين ألف قائد ولم يجدوا أي قائد من ورق لا يستغلهم بل وجدوا فيهم ألف دكتاتور ومليون ظالم ومليون سفاح، فعادوا إلى عبوديتهم السابقة مجددا.
استنجد البسطاء بالدين؟

أشباه رجال الدين يرون معركة البسطاء معركة من معارك النبي وهيهات منك المقارنة، فأسموا معاركها أسامٍ دينية، وليصدّق الشعب البسيط المقارنة كان لا بدّ حتى من أسماء أعظم من معارك النبي فأسميناها بدر الكبرى لأن معركة النبي اعتبروها بدر الصغرى، ولم يعلموا أن بدر الصغرى هذه غيرت الدنيا، وبدر الكبرى ما غيرت من واقع الجهل شيئاً.

هؤلاء أشباه رجال الدين قرؤوا الفاتحة مرتين وذهبوا إلى صلاة الفجر مرة وقرؤوا سيرة النبي عشر مرات على استعجال، فأصبحوا يسمون معاركهم بما علق في أذهانهم الفارغة.

أما مجتمع المفكرين فبدل أن يكتبوا أدب الثورة من جديد، ويعيدوا نبض الحرية في العقول، غابوا عن مسرح البسطاء، لأنهم في الاساس غائبون في رمزية كتاباتهم المقيتة، فمن ثلاثين سنة لم تنتج هذه الأمة مفكرا واحدا يرقى إلى مستويات المفكر، فلم يواكبوا لغة البسطاء وانقسموا حسب الولاء وحسب الأهواء.

رجال الدولة التي أفرزتهم الحرب كانوا كالدكتاتور، خرج البسطاء على حكم العسكر فصال عليهم العسكر ولكن بتسمية قادة الثورة، فأصبحوا يحضرون التسويات ويسنون القوانين ويحاكمون السجناء ويفتون في الزواج والطلاق قبل أن يفتوا بنصر امرأة على بعد بضع مترات اعتقلها حاجز الدكتاتور.

هموم وطن نساها الجميع وخانها الجميع وفشل باحتضانها الجميع، سهلت للأبناء على عدم الثقة بالوضع الراهن وكل ما يأتي من الداخل، هذه الثورة التي صعد على أكتافها المتنفعون والقتلة، دفع ثمنها البسطاء من أكبادهم تشرداً وذلاً ولم يشعر بهم أحد، فلا خلافة جديدة ولا قومية جديدة ولا إخوان على الدين الإسلامي، ويبقى الأمل بالله أن يغير القوم ما بأنفسهم حتى نرى مجتمعا مدنيا تسوده العدالة والحقوق.

تنويه : المقال يعبر عن رأي كاتبه، وتجمع أحرار حوران ليس مسؤولاً عن مضمونه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق